د.أسماء غريب
08-07-2006, 16:55
غارقة هي في عمق بحر التاريخ العريض...تاريخ حكم عليها بالنسيان من الذاكرة، شأنها في ذلك شأن باقي النساء البسيطات اللائي قتلتهن يد رجل عنيفة و مسلحة بالصليب المقدس، يد مغطاة بقفاز من القطيفة الناعمة و المطرّز بأنامل رجال محاكم التفتيش الدينية، الصقلية الأسبانية.
اسمها "ماتيا لافيردي" أمة بيضاء بشرتها و تنحدر من منطقة "أرشيريتي دي لاكيوسة سكالا فاني".
قصتها المؤلمة ظلت ولقرون طويلة دفينة أدراج كبار أرشيفات محكمة "المجمع الديني المقدس" إلى أن سلّطت عليها الضوء منذ سنوات قليلة سيدة صقلية، تحمل اسما يعني "معرفة"، هي التي استطاعت أن تنفض ذاك الغطاء السميك من الغبار المتكدس فوق أوراق ملف جلسات محاكمة تلك الأمة وليباركك الرب يا صوفيا !
جريمتها الشنعاء؟ وجهت المسكينة في ليلة مقمرة من إحدى ليالي آب قلبها و عينيها الممتلئتين شوقا إلى السماء المزينة بالنجوم لترجو القمر المقدس أن يعيد إليها حبيبها من سفر طويل و حاف بالمخاطر بأراض بعيدة جدا:
أنت أيها القمر اليقظ و الشديد البياض
أنت يا من يجر خلفه أربعة عنزات
اتركه لي أرجوك
أعده لي أرجوك.
لم تكن الفتاة قد جاوزت السادسة عشر من عمرها و لسوء حظها و بينما كانت مستغرقة في مناجاتها للقمر، استرقا السمع لكل ما قالته جارها و زوجته اللذان ما إن أصبح اليوم الآخر حتى انطلقا في جميع أنحاء البلدة يشيعان ما سمعاه ليلة أمس.
جاء أهل المكان يسألونها عن معنى ما هتفت به أمس من كلمات و لكنها عجزت عن ذلك، لم تكن المسكينة تردد سوى نفس الأدعية التي كانت ترددها أمها، كلمات حفظتها الأم أيضا عن أمها و كانت تستعملها من أجل إعادة غائبي البيت من الأهل و الأصدقاء سالمين إلى أرضهم..وهي أيضا استعملتها لنفس الغرض دون أن تهتم لما تحمله هذه الكلمات من معاني...طبعا لم تخبرهم ببقية الدعاء !
عاد الناس أدراجهم و قد ازدادت حيرتهم و شكّهم و في الصباح الموالي قدم آخرون يريدون أن يردوا الصاع صاعين لسيد هذه البئيسة رغبة منهم في الانتقام منه بسبب خلافاتهم القديمة معه حول الحقول و العمل فرفعوا بذلك شكوى ضد خادمته لدى السيد "لودوفيكو بارمو" الذي كان في زيارة خاصة لمنطقة "فال دي مون" بمناسبة الاحتفال السنوي لقدوم كبير القساوسة هنا رفقة مفتش المحكمة الدينية الذي كان قد أصدر سابقا ظهير "صحة الإيمان" الذي يحض المواطنين على ضرورة التبليغ خلال مدة لا تتجاوز الستة أيام عن أي شخص يُشكّ في صحة عقيدته أو ارتكب في حق دينه جرما مهما كان بسيطا.
تدخلات سيد الخادمة منيت كلها بالخيبة و الفشل، لم يتمكن المسكين من إقناع أولئك المتزمتين بالعدول عن أحكامهم الدينية ..هو الوحيد الذي كان يعلم مدى صدق إيمان خادمته ...الفتاة الخدومة المطيعة التي لم تغفل يوما واجبا من واجباتها الدينية من صوم و صلوات الأعياد.
أصبح يخافها الجميع..قاطعوها خوفا على أنفسهم، لم يعد أحد يرغب في الحديث معها أو التجرؤ على مساعدتها.
قبض عليها في عمق الليل، جرّوها بعنف و قوة، لم يكن لينقذها من بين مخالبهم اختباؤها في الخم بين باقي الدجاجات و ضاعت كل محاولة منها من أجل الفرار.
قادوها إلى مدينة بالرمو و جسدها دام و كلّه جراح و أقفلوا وراءها هناك و إلى الأبد أبواب سجن "ستيري" (مكان ترتع فيه العداوة و الهمجية، داخله مفقود و خارجه مفقود أيضا) كان هذا كلام كتبه على جدران زنزانته بئيس آخر داخل السجن ذاته.
زنزانتها كانت سرية، لم يكن يسمح لها الخروج من أجل أداء صلواتها سوى مرة واحدة حينما قادها والقيود بكاحليها، حارس الزنزانة إلى هيكل الساحرات و باقي السجينات المتهمات بالشعوذة و السحر.
كانت المسكينة فقيرة جدا ..لذا لم تتمكن من شراء مرتبة ولو من القش لتضعها داخل الزنزانة وترتب بها ملابسها...لم يكن بحوزتها سوى شيء من الماء و الخبز الذي كان عليه أن يكفيها لأيام عدة، أما فستانها الوحيد فكانوا يغسلونه مرّة في كلّ شهر.
حاكمتها الهيئة الدينية لأنها قررت بأن القمر الذي كانت تناجيه في أدعيتها ما هو في الأصل سوى الإلهة الوثنية "ديانا" أما عن العنزات الأربعة المذكورة في الصلاة فلم تكن سوى ذاك الماعز الذي كان يقدم قربانا للإله "باكو".
طالبوها بالاعتراف غصبا بتهم لم تقترفها...أرادوا منها أن تقول بأنها كانت تطيع أوامر سيدتها الإلاهة "ديانا" التي كانت تأتي عندها و تصحبها على ظهر حمار كي تجوب كالريح و إياّها البلد من أجل قتل الأطفال و امتصاص دمائهم...أرادوا منها أن تقول بأنها كانت تعدّ الطلاسم من أجل أن يمرض رجال القرية و أطفالها، حيواناتها و زرعها..لأنها كانت قد باعت روحها بموجب عقد تم بينها و بين الشيطان.. المحكمة اتهمتها و باختصار بالزندقة و الشعوذة و التوقح على الذات الإلهية.
و بما أن المسكينة كانت لا تكف عن التصريح بأنها بريئة و لا تعرف شيئا عما يقولونه ضدها...ولكي ينتزعوا منها أخيرا أقوالهم سلّموها إلى الجلاد فكان لهم ما أرادوه: اعترفت بكل ما قالوه هم.
دامت مدّة سجنها قرابة السنة أي بين 1602 و 1603 ، أضربت خلالها عن الطعام إلى أن توفيت.
دفنت عظامها الأربعة ليلا بالزقاق الملاصق لساحة محكمة "لوستيري" حيث لا تصل أشعة الشمس و لكن أشعة القمر المقدس لم تكن لتنساها أبدا ...فهي تسعى و أبدا إلى إضاءة ذاك البحر الذي ينبت عليه ذاك السجن الضخم.
أما اليوم و في ساحة "مارينا" حيث تتواجد محكمة "ستيري" التي تحولت إلى قصر عمالة المدينة فيمرح بعض من الأطفال منهمكين في لعبهم وخاليي البال تحت أشعة شمس أول الظهر الحارقة، منتهزين في ذلك فرصة سكون ضجيج الشارع وسياراته مرددين دون معرفة معنى ما يغنّونه، تلك الأغنية القديمة التي حفظوها عن ظهر قلب من أخواتهن الأكبر سنا و التي كن يحفظنها قبلهن كل الشابات اللائي وصلن سن الزواج:
يا قمرا قديسا، يا قمرا قديسا
أنت رب السماوات
اذهب و جُل في كل مكان
سلّم لي على القديس يوحنا
المتواجد هناك بالبحر
سلّم على السيدة كاتيرينا
أجمل السيدات
بتسريحة الشينيون
المزينة بزهر البرتقال
الذي سقط منها فجأة
و لكن القديس يوحنا
أعاده إليها
إلى أجمل النساء
بتسريحة الشينيون
المزينة بزهر البرتقال
ففُكّ هكذا السحر
باسم الرب
والابن
و الروح القدس.
ترجمة أسماء غريب
اسمها "ماتيا لافيردي" أمة بيضاء بشرتها و تنحدر من منطقة "أرشيريتي دي لاكيوسة سكالا فاني".
قصتها المؤلمة ظلت ولقرون طويلة دفينة أدراج كبار أرشيفات محكمة "المجمع الديني المقدس" إلى أن سلّطت عليها الضوء منذ سنوات قليلة سيدة صقلية، تحمل اسما يعني "معرفة"، هي التي استطاعت أن تنفض ذاك الغطاء السميك من الغبار المتكدس فوق أوراق ملف جلسات محاكمة تلك الأمة وليباركك الرب يا صوفيا !
جريمتها الشنعاء؟ وجهت المسكينة في ليلة مقمرة من إحدى ليالي آب قلبها و عينيها الممتلئتين شوقا إلى السماء المزينة بالنجوم لترجو القمر المقدس أن يعيد إليها حبيبها من سفر طويل و حاف بالمخاطر بأراض بعيدة جدا:
أنت أيها القمر اليقظ و الشديد البياض
أنت يا من يجر خلفه أربعة عنزات
اتركه لي أرجوك
أعده لي أرجوك.
لم تكن الفتاة قد جاوزت السادسة عشر من عمرها و لسوء حظها و بينما كانت مستغرقة في مناجاتها للقمر، استرقا السمع لكل ما قالته جارها و زوجته اللذان ما إن أصبح اليوم الآخر حتى انطلقا في جميع أنحاء البلدة يشيعان ما سمعاه ليلة أمس.
جاء أهل المكان يسألونها عن معنى ما هتفت به أمس من كلمات و لكنها عجزت عن ذلك، لم تكن المسكينة تردد سوى نفس الأدعية التي كانت ترددها أمها، كلمات حفظتها الأم أيضا عن أمها و كانت تستعملها من أجل إعادة غائبي البيت من الأهل و الأصدقاء سالمين إلى أرضهم..وهي أيضا استعملتها لنفس الغرض دون أن تهتم لما تحمله هذه الكلمات من معاني...طبعا لم تخبرهم ببقية الدعاء !
عاد الناس أدراجهم و قد ازدادت حيرتهم و شكّهم و في الصباح الموالي قدم آخرون يريدون أن يردوا الصاع صاعين لسيد هذه البئيسة رغبة منهم في الانتقام منه بسبب خلافاتهم القديمة معه حول الحقول و العمل فرفعوا بذلك شكوى ضد خادمته لدى السيد "لودوفيكو بارمو" الذي كان في زيارة خاصة لمنطقة "فال دي مون" بمناسبة الاحتفال السنوي لقدوم كبير القساوسة هنا رفقة مفتش المحكمة الدينية الذي كان قد أصدر سابقا ظهير "صحة الإيمان" الذي يحض المواطنين على ضرورة التبليغ خلال مدة لا تتجاوز الستة أيام عن أي شخص يُشكّ في صحة عقيدته أو ارتكب في حق دينه جرما مهما كان بسيطا.
تدخلات سيد الخادمة منيت كلها بالخيبة و الفشل، لم يتمكن المسكين من إقناع أولئك المتزمتين بالعدول عن أحكامهم الدينية ..هو الوحيد الذي كان يعلم مدى صدق إيمان خادمته ...الفتاة الخدومة المطيعة التي لم تغفل يوما واجبا من واجباتها الدينية من صوم و صلوات الأعياد.
أصبح يخافها الجميع..قاطعوها خوفا على أنفسهم، لم يعد أحد يرغب في الحديث معها أو التجرؤ على مساعدتها.
قبض عليها في عمق الليل، جرّوها بعنف و قوة، لم يكن لينقذها من بين مخالبهم اختباؤها في الخم بين باقي الدجاجات و ضاعت كل محاولة منها من أجل الفرار.
قادوها إلى مدينة بالرمو و جسدها دام و كلّه جراح و أقفلوا وراءها هناك و إلى الأبد أبواب سجن "ستيري" (مكان ترتع فيه العداوة و الهمجية، داخله مفقود و خارجه مفقود أيضا) كان هذا كلام كتبه على جدران زنزانته بئيس آخر داخل السجن ذاته.
زنزانتها كانت سرية، لم يكن يسمح لها الخروج من أجل أداء صلواتها سوى مرة واحدة حينما قادها والقيود بكاحليها، حارس الزنزانة إلى هيكل الساحرات و باقي السجينات المتهمات بالشعوذة و السحر.
كانت المسكينة فقيرة جدا ..لذا لم تتمكن من شراء مرتبة ولو من القش لتضعها داخل الزنزانة وترتب بها ملابسها...لم يكن بحوزتها سوى شيء من الماء و الخبز الذي كان عليه أن يكفيها لأيام عدة، أما فستانها الوحيد فكانوا يغسلونه مرّة في كلّ شهر.
حاكمتها الهيئة الدينية لأنها قررت بأن القمر الذي كانت تناجيه في أدعيتها ما هو في الأصل سوى الإلهة الوثنية "ديانا" أما عن العنزات الأربعة المذكورة في الصلاة فلم تكن سوى ذاك الماعز الذي كان يقدم قربانا للإله "باكو".
طالبوها بالاعتراف غصبا بتهم لم تقترفها...أرادوا منها أن تقول بأنها كانت تطيع أوامر سيدتها الإلاهة "ديانا" التي كانت تأتي عندها و تصحبها على ظهر حمار كي تجوب كالريح و إياّها البلد من أجل قتل الأطفال و امتصاص دمائهم...أرادوا منها أن تقول بأنها كانت تعدّ الطلاسم من أجل أن يمرض رجال القرية و أطفالها، حيواناتها و زرعها..لأنها كانت قد باعت روحها بموجب عقد تم بينها و بين الشيطان.. المحكمة اتهمتها و باختصار بالزندقة و الشعوذة و التوقح على الذات الإلهية.
و بما أن المسكينة كانت لا تكف عن التصريح بأنها بريئة و لا تعرف شيئا عما يقولونه ضدها...ولكي ينتزعوا منها أخيرا أقوالهم سلّموها إلى الجلاد فكان لهم ما أرادوه: اعترفت بكل ما قالوه هم.
دامت مدّة سجنها قرابة السنة أي بين 1602 و 1603 ، أضربت خلالها عن الطعام إلى أن توفيت.
دفنت عظامها الأربعة ليلا بالزقاق الملاصق لساحة محكمة "لوستيري" حيث لا تصل أشعة الشمس و لكن أشعة القمر المقدس لم تكن لتنساها أبدا ...فهي تسعى و أبدا إلى إضاءة ذاك البحر الذي ينبت عليه ذاك السجن الضخم.
أما اليوم و في ساحة "مارينا" حيث تتواجد محكمة "ستيري" التي تحولت إلى قصر عمالة المدينة فيمرح بعض من الأطفال منهمكين في لعبهم وخاليي البال تحت أشعة شمس أول الظهر الحارقة، منتهزين في ذلك فرصة سكون ضجيج الشارع وسياراته مرددين دون معرفة معنى ما يغنّونه، تلك الأغنية القديمة التي حفظوها عن ظهر قلب من أخواتهن الأكبر سنا و التي كن يحفظنها قبلهن كل الشابات اللائي وصلن سن الزواج:
يا قمرا قديسا، يا قمرا قديسا
أنت رب السماوات
اذهب و جُل في كل مكان
سلّم لي على القديس يوحنا
المتواجد هناك بالبحر
سلّم على السيدة كاتيرينا
أجمل السيدات
بتسريحة الشينيون
المزينة بزهر البرتقال
الذي سقط منها فجأة
و لكن القديس يوحنا
أعاده إليها
إلى أجمل النساء
بتسريحة الشينيون
المزينة بزهر البرتقال
ففُكّ هكذا السحر
باسم الرب
والابن
و الروح القدس.
ترجمة أسماء غريب