المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : وهم أيضا ضحايا العنف----


د.سلطان الرفاعي
10-05-2006, 10:28
مر أكثر من عام على رؤيتي له، المرة الأخيرة، أخبرني فيها، كيف أنه سيُقدم استقالته من فرع الأمن السياسي، هو برتبة مساعد، أمضى سنين حياته، في خدمة الأمن. دخل إلى مكان عملي بالأمس، ملامح الذهول تبدو عليه، لم أر إلا حطام رجل، يتلعثم في الكلام، يرتجف، يكاد يتمزق مع كل كلمة تخرج من فمه. قال: أنا لم أسرق ولم أرتش، ولم أضرب أحد، وخرجت بمعاش خمسة ألاف ليرة، ماذا ستفعل معي؟ أصبحت منبوذا في قريتي، الجميع يتحاشاني، ويبتعد عني، رغم أنني في كل حياتي، لم أتسبب في أذية أحد. هذا ما يقوله المساعد، ولكن الحقيقة لا يعرفها إلا الله.

ضحية أخرى من ضحايا العنف، هو أيضا، أنا أُصدقه، ولكن غيري لا يُصدقه، وينظر إلى يديه، كم من الضربات، سدد إلى وجوه من اعتقلهم، ومن استجوبهم، صحيح أن كان عبد مأمور، لعبد مأمور، ولكن ذكريات الصرخات، ستبقى ترن في أذنه، وأين منها صوت ناقوس كنيسة نوتردام في فرنسا. سيذكر دائما تلك العصي، التي أدمى بها أقدام الكثيرين، سيذكر صراخهم وألمهم أبد الأيام.

ضحية أخرى من ضحايا العنف، ذلك الضابط، الذي أصدر الأوامر، وحضر مجالس العنف، واستجوب المعتقلين، وغادر الزنزانة، تاركا خلفه حطام رجال، وأشلاء شباب. هذا الضابط، أيضا من أكبر ضحايا العنف، فهو ينتظر كيف سيكبر ابنه، وكيف سيُعلمه، وسيُربيه، في أفضل المدارس، ومن ثم يخطب له ابنة ضابط آخر مارس أيضا العنف تجاه إنسان آخر، وستكون حفلة الزفاف، في أفخم الفنادق، تقدمة وهدية من شخص آخر، يخاف عنف والد العريس والعروس، وسيذهب العروسان إلى إحدى الدول الأجنبية والتي لا تُمارس العنف على مواطنيها، ومن ثم يعودان إلى وطنهم، وفي حادث أليم يذهب الاثنان ضحية لعنف السرعة الزائدة من قبل ابن ضابط آخر يُمارس العنف بطريقة السرعة المتهورة. ويجلس كل ضابط أمن على حدة، ويتذكر، يتذكر، كم من الضحايا، مارس عليهم العنف، كم من الضحايا، وبكلمة منه، أو إيعاز، تعرضوا للعنف والبطش والقمع؟ مسكين هذا الضابط، سيُمضي حياته الباقية، خائفا، مرتعدا، يتذكر كل ضحاياه، هذا بكى، وذاك صرخ، وآخر أغمي عليه، ورابع بال في بنطا له، وخامس وسادس--- ويلتفت إلى أولاده، ويبدأ كابوسه اليومي، من الصباح إلى آخر الليل، متسائلا: ماذا أفعل ليغفر لي ربي، هذا إذا كان مؤمنا بوجود رب، وإذا لم يكن مؤمنا بوجود اله، فهو يعرف أكيدا أن هناك من سينتقم منه، في حياته هذا، ولن ينتظره حتى يُحاسبه، بل سيكون حسابه، مرتبطا، بشخص عزيز عليه، قد يفقده، ويذوق لوعة الفراق، التي أذاقها لغيره.

لا أعتقد أن هؤلاء الضباط، الذين يُحالون على التقاعد، أو أولئك المساعدين والعناصر، الذين أمضوا حياتهم، في ممارسة العنف ضد الغير، وأصبحوا اليوم ضحاياه، لا أعتقد أنهم ينعمون بلحظة سكينة واحدة في حياتهم الباقية، أو بنظرة احترام واحدة من الآخرين، إنهم كما قلت لكم أيضا ضحايا للعنف.



لبضع سنين خلت، قرر عدد من الباحثين أن يدرسوا بطريقة علمية أسباب انتحار عدد من ضباط الأمن. فتتبعوا مسار مئة ضابط بعد إحالتهم إلى التقاعد، وأجروا المقابلات مع ذويهم وحللوا بكل دقة ما استحصلوا عليه من معلومات، آملين أن يكتشفوا ما يجمع بين هؤلاء الأشخاص وأن يجددوا العامل المشترك في سبب انتحارهم. أتت نتائج هذا البحث للوهلة الأولى، مخيبة للآمال، إذ أن الباحثين أخفقوا في إيجاد عامل يجمع بين هؤلاء الأشخاص، لا في تربيتهم ولا في النواحي الأخرى من أنماط حياتهم. بعضهم ما تخطى المرحلة الابتدائية بينما بعضهم الآخر استحصل على شهادة أعلى. العامل الوحيد الذي بدا وكأنه يجمع في ما بينهم هو كون سبعين بالمئة منهم أتوا من بلدات عدد سكانها لم يبلغ الخمسة عشر ألفا. ولكنهم بعد أن أعادوا التدقيق في المعلومات مرة أخرى عثروا على عامل واحد مهم وجامع، آلا وهو أن كلا من هؤلاء الضباط كان يجهد في كل ظروف عمله ممارسا العنف تجاه ضحاياه، من المعتقلين.



يقول شيشرون: ماذا يمكن العمل ضد العنف من دون عنف؟

العهد الجديد يسعى إلى التخلي عن العنف، ورموز العهد القديم وللضرورة السياسية يسعون للجوء إلى العنف. فالدولة يبدو أنها لا تستطيع التخلي عن العنف. ولكن عليها أن تستخدم أقل عنف ممكن. فان مرافق الدولة تميل دوما إلى اللجوء إلى العنف أكثر مما هو ضروري، لذلك هي بحاجة إلى أصوات تنتقد تصرفها. وهذه الأصوات هي بنوع خاص جمعيات حقوق الإنسان، وجمعيات دعم ضحايا العنف. ولكن لتستطيع الاضطلاع بهذه المهمة لا يجوز لها أن تكون مرتبطة ارتباطا وثيقا بسلطة الدولة.

السؤال الأساسي: بحسب أية معايير أخلاقية وقانونية يجب الحكم على الوضع الذي يُبرر اللجوء إلى العنف؟

إن مهمة الجمعيات الإنسانية الداعمة لضحايا العنف. تقوم على أن تتخذ في مختلف الأوضاع الواقعية مواقف من شأنها تخفيف العنف أو حتى إيقافه. ماذا يعني هذا بالتفصيل، هذا أمر يتعلق بصورة أساسية بتقدير الوضع السياسي. وهذا قد يؤدي إلى آراء مختلفة بين تلك الجمعيات.



الدولة تحتج دائما، بعدم رغبتها بأي تدخل أجنبي، وحتى لو كان في الشأن الإنساني، ولسان حالها: هؤلاء هم مواطني، وما أفعله معهم لا شأن للآخرين به. فمع هذا التصور لدى الدولة للتدخل لدواعي إنسانية نكون قد تجاوزنا بصورة حاسمة التصور التقليدي لاحتكار العنف من قبل الدولة. وهذا يبدو اليوم الطريق الوحيد الممكن. ولكن السؤال هو كيف يمكن القيام بهذا التدخل بأسرع ما يمكن وبطريقة يقبلها الجميع.



نتساءل في الوقت نفسه كيف يجب أن نحدد العنف بالضبط؟

هل هو صفة للأعمال نفسها، أم هو نتيجة لتحديد الوضع كما يقول علم الاجتماع ؟ وهذا يعني أن ممارسة العنف هو في حالة معينة عمل إجرامي، وفي حالة أخرى يمكن أن يُعد عملا يُعيد استتباب العدل.



يمكن القول على وجه العموم إن الأعمال تكون أعمال عنف متى دمرت حياة الناس أو ألحقت بها أضرارا جسيمة، والمثل الصارخ بيننا اليوم، هو العنف الذي لحق بالشعب الكردي في حلبجة، حيث ألحق أضرارا جسيمة بالشعب والممتلكات، ودمر الكرامة الإنسانية تدميرا كاملا. هذه أعمال عنف واضحة لا يمكن تبريرها، أما ما يمكن تبريره مثل الدفاع عن النفس. في هذه الحالة أمارس العنف تجاه الآخر لأنه تعدى علي. فإذا ألحقت أضرارا بالمعتدي وربما قتلته، فهذا العمل في هذه الحالة هو عنف، غير أنه عنف شرعي (حالة الرد على عصابات الأخوان المسلمين). وهذا يؤدي إلى السؤال عن المعايير الأخلاقية التي تحدد في أية ظروف وبأي قدر يصير اللجوء الشخصي(السياسي) إلى العنف شرعيا.

عبدالله عطية الزهراني
10-05-2006, 10:49
أهلابك ايها الأستاذ الجميل.
-سررت لأنك هنا ، وبخير.
زهره1 لك
والموضوع منشور في واجهة الموقع.
هنا :
http://www.shrooq2.com/mag/

وداد عقراوي
10-05-2006, 12:43
سيدي الراقي زهره1 د.سلطان الرفاعي

* محور حساس ادخلتنا فيه كعادتكم بجدارتكم المعهودة... وساكتب فيمايلي رأيي حول الموضوع الذي استوقفكم... ويهمني ويستوقف ويهم الكثيرين من القراء الاعزاء.

* تنص المادة 5 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان المعتمد والمنشور على الملأ في 10 ديسمبر 1948 على:
لا يجوز إخضاع أحد للتعذيب ولا للمعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو الحاطة بالكرامة.
* المادة الاولى من اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة التي اعتمدت وعرضت للتوقيع والتصديق والانضمام بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 39/46 المؤرخ في 10 ديسمبر 1984وبدء تأريخ نفاذه في 26 يونيه 1987، تعرف "التعذيب" على انه:
أي عمل ينتج عنه ألم أو عذاب شديد، جسديا كان أم عقليا، يلحق عمدا بشخص ما بقصد الحصول من هذا الشخص، أو من شخص ثالث، على معلومات أو على اعتراف، أو معاقبته على عمل ارتكبه أو يشتبه في أنه ارتكبه، هو أو شخص ثالث أو تخويفه أو إرغامه هو أو أي شخص ثالث - أو عندما يلحق مثل هذا الألم أو العذاب لأي سبب من الأسباب يقوم على التمييز أيا كان نوعه، أو يحرض عليه أو يوافق عليه أو يسكت عنه موظف رسمي أو أي شخص آخر يتصرف بصفته الرسمية. ولا يتضمن ذلك الألم أو العذاب الناشئ فقط عن عقوبات قانونية أو الملازم لهذه العقوبات أو الذي يكون نتيجة عرضية لها.

* هؤلاء الاشخاص كان لديهم صفة رسمية ويعملون في مؤسسات رسمية كفروع الامن السياسي فهذا يجعلهم متورطين... حتى الساكت عن ما يجري يكون مسؤلاً عن ما يحدث لانه لم يحاول مساعدة الضحايا بغض النظر عن اتجاهات الضحايا اوارائهم اواهدافهم السياسية او التهم التي وجهت/توجه اليهم او لفقت/تلفق لهم...
* بالطبع نحن نقول دائماً بانه يجب محاكمة "الحيتان الكبيرة" ولكن هذا لا يعني بان الاخرين لا ذنب لهم، ففي معظم الحالات يكون هؤلاء بمثابة اليد الطويلة للمسؤلين.... ومن المفروض ان يرفضوا العمل كجلادين لابناء جلدتهم البشرية...

* الحادثة التي اخبرتنا عنها رويتها باسلوب جميل يجعل القارئ يشفق على هذا الشخص، ولكنني وبحكم خبرتي اقول بان الاسلوب المتبع في فروع الأمن السياسي او غيره هو ارغام من يكتشف الرأي العام بتورطهم بالتعذيب الى تقديم الاستقالة، وفي هذه الحالة فتكون هذه الفئة من غير المغضوبين عليهم، والا فسيقدمون للمحاكمة بحجة انهم مارسوا التعذيب دون علم الجهات الرسمية.
* من يغادر الزنزانات تاركاً خلفه حطام رجال ونساء وأشلاء شباب قد يكونون ضحايا ولكنهم ضحايا حياتهم المزدوجة وغرائزهم المريضة ولكنهم ليسوا ضحايا التعذيب او العنف... هم ضحايا تجاوزهم لحدود غير معقولة ولكنهم ليسوا ابرياء كمئات الابرياء ممن يفقدون حياتهم جراء التعذيب والعنف الذي مورس من قِبلِهم.

* في النهاية اود الاشارة الى المبدأ الأول من المبادئ التوجيهية بشأن الحق في المساعدة الإنسانية التي اعتُمدت من قبل مجلس إدارة معهد سان ريمو الدولي للقانون الدولي الإنساني في دورته المنعقدة في أبريل 1993:
لكل إنسان الحق في الحصول علي مساعدة إنسانية مناسبة تضمن له حقه في الحياة والصحة والحماية من أي معاملة وحشية أو مذلة، وغير ذلك من الحقوق الضرورية لبقائه على قيد الحياة ورفاهيته وحمايته في الحالات الملحة.

وهذا الحق يشمل الكل (وفي مقدمتهم ضحايا التعذيب) حتى هذا النوع من الاشخاص المعدومين من الانسانية...

شكراً جزيلاً لك سيدي الغالي... واحلى امنية الى ربوع تريد القضاء على العنف والتعذيب بكافة اشكاله

زهره1

د.سلطان الرفاعي
10-05-2006, 14:18
الحبيب عبدالله ، الأخت وداد . أشكركم وأبارك لكم هذا التطور الكبير في الموقع، وأعتذر عن غيابي الطويل عنكم، والله اشتقنا------