المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أصداء التاث الشعبي في المسرح المصري


ناصر العزبي
27-01-2008, 20:34
من كتاب ( الموروث الشعبي والنص الأدبي )
ننشر دراسة
أصداء التراث الشعبي في المسرح
( دمياط نموذجا )

للكاتب عبد الغني داود


أدت دعوات التأصيل والتجذير لمسرحنا المصري والعربي للعودة إلي إشكال التراث الأولية – خاصة عندما ظهر عامل ( التراث الشعبي) في النصف الأخير من القرن العشرين في العالم العربي ، وتعددت المنابع الشعبية التراثية التي يمكن للمسرح المصري إن يتعامل معها وينهل منها ويصنع منها منتجه الإبداعي مثل الظواهر المسرحية التي تعتمد علي ما يمكن إن تسمية ( بالفعل المسرحي أو خلق الحالة المسرحية ، وكل ما يمكن أن يكون في الكلام حجة لألعاب درامية ) وهذه الظاهرة – عادة – ليست – في تصوري – أكثر من مادة خام أولية تصلح لصياغة العمل المسرحي ، وهي مجرد ملامح مسرحية يمكن إن تتشكل لتصبح عملا دراميا، وهذه الإشكال من التمسرح العفوي أللامباشر لا حصر لها ، ومنتشرة في إنحاء العالم العربي . بالإضافة إلي الإشكال التي يمكن إن يكون لها مرجع نصي أدبي مكتوب ، والإشكال التي تمزج ما بين الفنون الإبداعية الأدبية وفنون الفرجة . وللأسف فقد أدت كثرة الدعوات إلي التأصيل والتجذير دون ضوابط ، والعودة إلي إشكال التراث الأولية – مع رفض النص المكتوب واستبداله بمعطيات الارتجال الجماعي – إلي سقوط من الأعمال في ضروب من الشكلية المفرطة والغوغائية الفولكلورية ، والي إضعاف تجربة التأليف المسرحي والتي تراجعت إلي الوراء – لتحل محلها عناصر شكلية اغلبها سطحي ، وادي ذلك أيضا إلي تصورات إستشراقية أجنبية غربية في تراثنا الشعبي وتراثنا الإبداعي الأدبي ، والي التبعية الثقافية المسرحية للغرب – هذه التبعية التي ثارت علي مفرداتها وأجروميتها – أصلا ومنذ البداية في الستينات وما بعدها – هذه الدعوات إلي التأصيل والتجذير علي يدي توفيق الحكيم ، ويوسف إدريس ، وعبد الكريم برشيد في المغرب وغيرهم من المسرحيين في العالم العربي .

لكننا هنا سنحاول إن نضرب مثالا أو نقدم نموذجا لأصداء التراث الشعبي في المسرح لدي كتاب مسرح بعينهم ، وهم هؤلاء الذين نشأوا في محافظة دمياط ومن أبنائها –علما بان هذه التجربة تتكرر في محافظات أخري – ليس هنا مجال الإشارة إليها ..
>>>>

ناصر العزبي
27-01-2008, 20:39
.. ولنبدأ بــ ( محمد أبو العلا السلامونى ) – ( من مواليد 1941 ) المولع بتوظيف الإشكال والظواهر التمثيلية والشعبية المعروفة مثل : المسرح الارتجالي ، المحبظين، خيال الظل ، السامر .. سواء تلك المستلهمة مباشرة من المادة التراثية كموضوع ومادة خام ، أو تلك التي يوظف فيها مفردات هذه المادة التراثية ..إذ أن هناك فارق بين الإعمال ذات الموضوع التراثي البحت والإعمال التي توظف مفردات الشكل التراثي فقط – فنجده – علي سبيل المثال – يقدم في بداياته مسرحية " حكاية من ليلة القدر" 1968 والتي تقوم علي أسطورة شعبية معروفة تحكي عن هبوط بغلة من السماء تحمل خرجين في احدهما كنز والأخر رأس قتيل ، والمطلوب ممن فتحت له طاقة القدر أن يغسل رأس القتيل مقابل أخذ الكنز ، ويرمز بها إلي حلم الفقراء في الثراء برغم الوسائل الملوثة .

وفي العام التالي يقدم ( السلامونى ) مسرحية ( أبو زيد في بلدنا ) " 1969 ، ويوظف فيها شخصية ( أبو زيد ) كأبرز شخصية في السيرة الهلالية عندما يحلم أهل القرية بعودة شخصية الهلالي سلامة أبو زيد لإنقاذهم من مشاكلهم التي تواجههم ويعاونون منها ، وحين يجئ ( أبو زيد الهلالي ) يتضح لهم انه عاجز مثلهم بالضبط عن حل تلك المشاكل .
هنا يوظف الشخصية التراثية في السيرة في موضوع معاصر ، وعلي نفسي المنوال عندما يتحول إلي الشخصيات التاريخية من أمثال محمد علي باشا في مسرحية ( الصعود إلي القلعة " 1987 ) ويعقوب صنوع في مسرحية (أبو نظارة)1993 ، وأمرء ألقيس في مسرحية (الثار ورحلة العذاب) ،1983 وخالد بن الوليد في مسرحية (سيف الله) ،1971 ،وعبد الله النديم في مسرحية " (النديم في هوجة الزعيم) _ 1974 – نجده يحول التاريخ إلي تراث شعبي – بتوظيفه مفردات التراث في الأعمال ذات البعد التاريخي ، ويجعل من هذا التاريخ تراثا شعبيا.. ففي (الثأر ورحلة العذاب) يقلب في صفحات كتب الأدب العربي وفي كتب تواريخ الأيام أي حروب العرب فيما بينهم في الجاهلية ، ويرتبط بهذا الأصل التراثي ، وفي " النديم " يأتي به متنكرا ومعه رفيقه (حسن ) في زى فناني خيال الظل والأراجوز ، ويبدأ في الإعلان عن نفسيهما بأسلوب السامر الشعبي والتشخيص – أي تشخيص ما حدث من وقائع في الثورة العربية بصورة بسيطة ، ويشترك معهما الفلاحون ، كنا يشترك أعيان القرية في تشخيص الباشوات ، وينم كل هذا والسلطة ما زالت تبحث عن عبد الله النديم .
وفي مآذن المحروسة 1983 يصور حفلا تحييه فرقة من فرق (المحبظين الشعبيين) – بصيغة خيال الظل – أثناء ثورة القاهرة الأولي ضد الحملة الفرنسية بقيادة نابليون .. فتقدم الفرقة في احتفال كبير أمام نابليون بونابرت عدة مشاهد تصور كفاح الشعب المصري ضد الاحتلال الفرنسي ، عام 1798 ، وتنجح حيل المحبظين الشعبيين أمام والي عسكر الفرنسيس ، وينتصرون عليه ، وبذلك يحول الكاتب التاريخ إلي تراث شعبي ، وهو أيضا يخلق علاقة ثنائية بين الأسطورة والتاريخ في مسرحية " الصعود إلي القلعة أو رجل القلعة 1987 – فيسمح ببعض الخيال في السرد أو الوصف التاريخي ، كما يسمح ببعض التاريخية في الوصف أو السرد الأسطوري – من خلال شخصية ( هيلاتة )الجارية في قصر محمد علي والتي تمثل معادلا لطموحة ، وهي شخصية متخيلة – حيث يبدأ النص بالاستعداد لعمل ( دقة زار ) وهو الطقس الذي أعدة الجميع كي يشفي محمد علي من مرضه العضال ، ثم يتم استبدال الزار (باللعبة المسرحية ) هذه ( اللعبة ) التي تدخل داخل اللعبة المسرحية الشاملة أو اللعبة داخل اللعبة – ويظهر دور هيلانة الذي يقوم علي( النبؤه) كأحد عناصر التراث ليصبح معادلا لمأساة محمد علي وضياع طموحاته كبطل تراجيدي .. نقطة ضعفه انه انفرد بالسلطة وتخلي عن الشعب وعندما ينهزم يعود إليه فلا يجده ولا يقف معه .
وأشير إلي طموح ( محمد أبو العلا السلامونى ) الذي لم يتحقق – رغم سعيه لخلق بطل تراجيدي يتمثل في شخصية محمد علي فنجده يقرر : ( بأننا فشلنا في إحداث ( الطفرة ) المسرحية التي أحدثها الإغريق من قبل حين استخلصوا جوهر اللعبة المسرحية من احتفالاتهم وتراثهم الشعبي ، وصنعوا بعبقريتهم أجمل إبداعات الإنسانية في فن الدراما، وهو رأي أشاركه فيه تماما ..لكن كاتبنا يظل مؤمنا بان تراثنا الشعبي مازال بحرا زاخرا يحتاج إلي الغوص في داخله لاستكشاف واستخلاص الكثير من الجواهر الفنية الدرامية ، ومن هنا تعددت إعماله في مزج التاريخ بالتراث وإدخاله إلي الزمن المسرحي الأتي ، وجعله متكلما بدلالات معاصرة.
>>>>

ناصر العزبي
28-01-2008, 20:13
وفي نفس التوقيت الذي مارس فيه ( السلامونى ) الكتابه كان هناك ( يسري الجندي ) ( من مواليد 1942 ) الذي إغترف من السير الشعبية – مباشرة - الكثير من أعماله فاستلهم "علي الزيبق " 1973 من إحداث هذه السيرة ، والتي تبدأ باغتيال والد علي الزيبق –حسن رأس الغول – خوفا من إن يكشف فساد الوزير ، ونشأ (علي ) يتيما مع أمه – إلي إن يعود لينتقم لمقتل أبيه ، وقد صاغ ( الجندي ) نصه بأسلوب ملحمي – هذا الأسلوب الذي سيصبح أهم ملامح نصوصه التالية .. ففي " عنترة " أو يا عنتر "1977 يعمق شخصية البطل ( عنترة ) ويصوغ منها بطلا تراجيديا معاصرا يعاني من عبوديته ولونه الأسود ،
وفي عام 1978 يقدم " سيرة بني هلال " مستلهما الخطوط العريضة للسيرة الهلالية " أي تلك الملحمة الشعبية العربية العريقة التي تنقسم إلي عدة أبواب أو أجزاء أو دواوين ) أبرزها : ( المواليد و الريادة ، والتغريبة ، والأيتام ) وتتفرع من هذه الدواوين سير فرعية متنوعة مثل : ( عزيزة ويونس ) ، و( الخفاجي عامر ) وغيرهما " وهو في نصه هذا يختزل أحداثا تروي وتردد وتنشد في ألاف الصفحات ومئات الليالي – كما فعل في ملحمتي أو سيرتي ( علي الزيبق ) ، و(عنترة) – إذ ينهي هذه الصفحات الطوال في ( سيرة بني هلال ) بمذبحة كبري يقتل فيها الإبطال بعضهم البعض حتى يفنوا عن أخرهم – فيقدم ( ابا زيد ، و دياب ، والسلطان حسن، والقاضي بدير بني فأيد ، والجازية بنت سرحان ومرعي ويونس ، وسعدي بنت ألزناتي ،و ألزناتي خليفة ، وعالية زوجة أبي زيد ) وهم تقريبا – شخصيات رئيسية في السيرة ، وقد صاغ بها الكاتب بلغة عربية فصحي تتسم بشاعرية فضفاضة ، وهي نفس اللغة التي صاغ فيها ( علي الزيبق ) ، و ( عنترة ) ، وفي لوحات متتابعة ، وقد قدمت هذه المسرحية ( كعرض ) بمنهجين مختلفين في النظر إلي التراث الشعبي – إذا ابتعد المخرج ( سمير العصفوري ) عند تقديمها في مسرح الطليعة عام 1978 – عن روح السيرة الشعبية ، وحاول – كما يقول : في (مجلة ملتقى المسرح العربي – 1994 – العدد الأول – ص (19) ) إعادة النظر في شكل الموروث الفكري والفني للعقلية العربية المسالمة جدا – لكنها تتحدث دوما عن الغزو ولا تغزو ..... تلك العقلية المنهزمة في الواقع – المنتصرة في مجالسها ) ، وبذلك حول المسرحية إلي ملهاة ، وصبغ بعض أجزائها بصبغة (الجروتسك) أي الملهاة اللاواقعية – الغريبة في تركيبها ، وتدل على خيال مشتط .
>>>>

ناصر العزبي
28-01-2008, 20:30
وبعد سبع سنوات يقدم المخرج عبد الرحمن الشافعي نفس النص عام 1985 ، و يعيده عام 1994 بعنوان (ليلة بني هلال – برؤية مخالفة – إذ حاول استخدام دراما السيرة الشعبية ومؤديها – الراوي أو (المنشد) أو شاعر السيرة – في سياق نص خشبة مسرح كلاسيكي وتعبيري في أن واحد – رغم أن (دراما السيرة) لها سياقاتها – أما هذا النص المسرحي فهو أصلا – (بريختي) الشكل وذو كورس بريختي له سياقه المختلف – فجاء العرض الأخير أقرب إلي جماليات السيرة الهلالية ، وجعله ملتحما ببناء النص الملحمي للمؤلف ، وجاء تناوله للنص – بعناصره الإخراجية – متسقا مع مفردات السيرة ، وليس قشرة خارجية تزينه وتزخرفه – حين مزج النص المكتوب بالفصحى – بلغة السيرة الشعبية الفطرية والتلقائية لكنه عندما أنتقل بهذا العرض من وكالة الغوري التراثية إلي مسرح السامر – بدا العرض وعناصره مبهرجا وزائدا عن الحاجة .

ونلاحظ أن المؤلف قد سمح لنفسه أن يغير تفاصيل أحداث السيرة ووقائعها التي يتعدد رواتها في جنوب مصر وشمالها ، وكذا في جميع أنحاء الوطن العربي – حيث تختلف التفاصيل ، وتتعدد ملامح الشخصيات وتتباين – فهو هنا – على سبيل المثال – لا الحصر – جعل (دياب) يقتل (الجازية) ، و (أبا زيد) – وهو ما لم يرد في كل روايات السيرة ، وكذا جعل (مرعي) يقتل (دياب) ، لأن المؤلف قصد بالمقتلة الأخيرة (نشرة (الملتقى) حول العرض المسرحي الأخير عام 1994) – بأنها مجرد (نبؤة) صارت حقيقة – من أن كل العرب الآن على أعتاب الجحيم ، وخلفهم حصاد الهشيم.

وبخلاف (السيرة) جسد المؤلف شخصية (أبا زيد) بشكل عقلاني – فهو لا ينتصر بقوى خارقة ، وإن لم يلغي النص دور هذه القوى ، كما لم يلغي دور (النبؤة) الغيبية في مسيرة البطل – كما يجعله ينهزم لخطأ إنساني فيه ، ويسعى دائما (لعقلنة) حركته وربط فعله بإرادته ، وتلك مقاييس التراجيديا المعروفة في المسرح الغربي منذ التراجيديا الإغريقية .

(وليسري الجندي) تجربة أخرى في التعامل مع التراث ، وإن جاء التراث هذه المرة تراثا مكتوبا ومدونا ، وليس تراثا شفاهياُ فقط وذلك في مسرحيته (رابعة العدوية) 1980 – والتي تدور حول حياة هذه المتصوفة الشهيرة كنتاج مرحلة تاريخية في التاريخ العربي الإسلامي ، ويربط مراحل حياتها بالنظام الاجتماعي والاقتصادي في مدينة البصرة بالعراق ، والتي تحولت قصتها إلي (أسطورة) في الزهد والتقوى ، ولقد وفق المؤلف في أن يكشف في نصه – في فترة تحول فيها التراث وما يزال إلي أداة سياسية كرد فعل على ما خلفته الأيديولوجية من إحباطات – بل واستغلته لخدمة أهدافها السياسية المتناقضة
<<<<

ناصر العزبي
28-01-2008, 20:35
ومن أبناء دمياط نلتقي بكاتب مسرحي من جيل تال هو (مجدي الجلاد) – (من مواليد 1954) والذي قدم للمسرح منذ الثمانينيات مسرحيات (الضفدعة) 1980 ، (دقي يا مزيكا) 1981 ، (السوس) 1984 ، (الليلة نحكي) 1985 ، (سالمة يا سلامة) 1995 – بالإضافة إلي أعمال مسرحية أخرى لم تنفذ ، وديوانين من شعر العامية المصرية ، وعدد غير قليل من المسلسلات التليفزيونية .

ولسوف نتوقف عند مسرحيته (الليلة نحكي) 1985 والتي نشرت عام 1988 ، والمستلهمة من الموال الشعبي القصصي (شفيقة ومتولي) – إذ يعيد صياغة الموال القصصي دراميا ، ويتعامل مع مادة من مواد التراث الشعبي مباشرة ، وليس توظيف بعض أشكاله في مسرحياته الأخرى ... فهو في (الليلة نحكي) يركز حول قضية الانتقام للشرف ، ويحتفظ بنفس مفردات الموال القصصي وشخصياته (شفيقة) ، متولي الأب ، الصحاب ، الناس – محاولا أن يستنطق الموال لغة جديدة ومواقف جديدة – دون إخلال بتفاصيل الموال – ثم يربط هذه التفاصيل المكونة للموال بالواقع الاجتماعي والسياسي ، وقسم شخصيات مسرحيته إلي : جوقة – أقرب إلي عالم المحبظين والذين يمثلون أصدقاء (متولي) مع اللجوء إلي حيلة (التشخيص) كي يقدم من خلالهم عددا كبيرا من الشخصيات ، مع الاحتفاظ بالشخصيات الرئيسية بتواجد خاص – مع نوع من التهميش لشخصية (شفيقة) – رغم أنها الشخصية الرئيسية في الموال القصصي الشعبي
>>>>

ناصر العزبي
28-01-2008, 20:48
ومن الكتاب الجادين المتنوعي الثقافة الذين أغراهم التعامل مع (التراث) من زاوية ما – الكاتب المسرحي محمد الشربيني (من مواليد 1954) كواحد من الجيل الثاني من أبناء محافظة دمياط .. إذ نشر في الثمانينيات والتسعينات – عددا كبيرا من النصوص المسرحية ... (الجلوس خلف الأبواب) 1989 ، و(فتاة عادية) 1996 ، (مدد يا شيخ علي) 1997 ، (أخر الفرسان وليلة سقوط الدنجاوي) 2000، و (محاكمة عبد الرحمن الكوركبي) 1996 وغيرها – بالإضافة إلي مسرحيات كتبت (عن) وسائط أخرى – خاصة تلك المسرحية التي ترتبط ارتباطا وثيقا بالتراث الإسلامي وهي (حكايات صوفية) 1988 – رغم أنه يصرح بأنه لا يميل إلي استخدام التراث أو التاريخ – إذ يرى (أن الفن في مجتمعنا المتخلف يستلزم أن يكون موجها – ولكنه ليس مباشرا) .

لأنه يناقش في أعماله قضايا ومشكلات الواقع وهو في مسرحية (حكايات صوفية) المأخوذة من أربع حكايات مختارة من (مثنوي جلال الدين الرومي) يسعى إلي تقديم (فرجة شعبية) متقنة .. يستجلي فيها روح القيم في الفكر الإسلامي – معتمدا على عناصر الإنشاد الدرامية الأصيلة في تقاليدنا الصوفية الحية ، ووظفها في طرح قضايا مجتمعنا المعاصر ، وقد جاءت المسرحية في شكل درامي فيه من (الأرسطية) لكنه يختلف عن مكوناتها الأساسية ، وفيه من (الملحمية) ما لا يمكن حسابه ضمن الأشكال (البريختية) كما يشير بعض النقاد ، وهو في هذا النص يطمح إلي طرق أبواب الظواهر المسرحية العربية على مستوى الشكل ، وإلي التحلق حول روح القيم الاجتماعية في الفكر الإسلامي على مستوى المضمون ، وإلي استقراء مفردات الحضرة الصوفية (لفظيا ،وحركيا ، ولونيا ، ولحنيا – الخ...) كما يشير المؤلف نفسه إلي ذلك ، وأمامه مرجعية النص التراثي المكتوب .

ونشير إلي نص أخر للمؤلف يتماس مع التراث الشعبي وهو مسرحية (برجلاتك) 1990 ، حيث يستعيد فيه طقس الختان ويهاجمه هجوما عنيفا .. بل ويحاكم الظواهر السلفية في التراث المتخلف
>>>>

ناصر العزبي
28-01-2008, 20:56
ومن أبناء دمياط الذين ينتمون إلي جيل أكثر حداثة والذين ظهروا في بداية التسعينات نجد (ناصر العزبي) (من مواليد أوائل الستينيات) وقدم خلال الفترة الماضية عددا من الأعمال المسرحية من بينها (15)مسرحية قصيرة و (7) مسرحيات أطفال و(3) مسرحيات إعداد وصياغة – بالإضافة إلي مسرحيات (ليلة زفاف الحلم) ، (نتاج الخوف) ، (حالة كساد) وفاز (بجائزة سعاد الصباح) عام 1992 عن نص (نتاج الخوف) ..وحصل على جائزة الدولة التشجيعية عام 2001 عن مجموعته المسرحية حلم فصيح ...
لكننا سنتوقف عند مسرحية (حالة كساد) لأنه يوظف فيها الأشكال التراثية في تصوره للعرض الذي سيقوم على هذه المسرحية ، وهو رغم أنه لا ينهل من صميم موضوعات التراث الشعبية مباشرة – إلا أنه يلجأ في هذا النص إلي شكل السامر حيث تدور الأحداث من خلال (الراوي) - هذا الراوي الذي لا يقوم بالتعليق السردي المباشر في العرض المسرحي فقط – بل يقوم أيضا بتوجيه تعليقاته إلي الجمهور – كما حدث في مسرحية (نتاج الخوف) ، لكنه يكتفي في (حالة كساد) (بالراوي) – دون أن يسقط في (المباشرة) التي تقتل جمالية الإبداع ، وأستطاع أن يقيم التفاعل الفني بين هذا الشكل الشعبي التراثي والقضايا الآنية التي تعايشها الآن – في أطار تاريخ غير محدد المعالم .
>>>>

ناصر العزبي
28-01-2008, 21:08
ولكاتب هذه السطور( عبد الغني داود ) كواحد من أبناء قرية من قرى محافظة دمياط (من مواليد 1939) - أعمال استلهمت التراث الشعبي ظهرت في مجموعته المسرحية الأولى ذات الفصل الواحد (شجر الصفصاف) نشرت عام 1981 والتي كتبت نصوصها في منتصف ونهاية الستينات ، وكان يبحث فيها عن لغة حوار مسرحي جديدة من خلال الموروث الشعبي – سواء في الموال والأغنية أو السيرة الهلالية ، وفي نفس الوقت كتب مسرحيته (الخليفة) باحثا عن لغة حوار مسرحي معيارها الأساسي هو اقترابها من الفصحى دون تشكيل أو إعراب .. مستبدلا ذلك بالتسكين .. مع استخدام (الرخص) الممكنة .. لتصبح لغة خاصة مختلفة عن لغة الحياة اليومية المستهلكة أو الفصحى المتقعرة أو حتى فصحى الصحافة المبسطة ، وتكون أقرب إلي لغة ذات خصائص احتفالية أو طقوسية تميزها عن لهجات الحياة اليومية ، وتسعى نحو الفصحى أما (السيرة الهلالية ) فقد بدأ استلهامها في نص من فصل واحد بعنوان (غريب في بلبيس) 1966 في مجموعة (شجر الصفصاف) – محاولا أن يعثر فيه على لغة حوار مولودة من بطن قاموس السيرة الهلالية اللغوي ، والتي هي مزيج ما بين الفصحى والعامية – دون الدخول في تنوع اللهجات واختلافها – حيث كان معياره الأساسي هو اقترابها من الفصحى وموافقتها للعربية ، وقد تحول هذا النص ذو الفصل الواحد إلي نص طويل بعنوان (غريب في بلبيس – أبو زيد فارس بني هلال) ونشر عام 1987 والذي تدور حوادثه حول رحلة أبي زيد وأولاد أخته يحيى ومرعي ويونس إلي تونس في ديوان (الريادة) أو (الرحلة) ، وتتعرض لمعنى البطولة ، وأن بطولة أبي زيد قد قامت على النصرة القبلية الضيقة الأفق .
ثم يعود كاتب هذه السطور إلي ملحمة بني هلال ليستلهم منها أربعة نصوص هي : - (تنويعات هلالية)، (الجازية الهلالية) معتمدا فيها على وقائع خاتمة السيرة في (ديوان الأيتام) ، والتي يبرز فيها دور (الجازية بنت سرحان) في جمع شمل القبائل العربية – عندما تتحول رغبتها في الانتقام من (دياب) زعيم الزغابة الذي نكل ببني هلال وعلقهم على المشانق – كي يواجهوا كارثة الغزو الأجنبي ، و (السفيرة) وهي قصة الخيانة والعشق في عالم يفيض بحب التملك والتسلط والهيمنة .

وأخيرا (غريب بلاد المغارب) التي تقوم على رحلة الفارس العربي الخفاجي عامر ملك العراقين مع بني هلال من أجل الإفراج عن محابيسهم في سجون تونس وإعادة الحق لأشراف مكة في حكم تونس – ليكتشف في رحلته التي تنتهي بموته – أنه كان يسعى وراء سراب ، ووهم الوحدة بين العرب .

وبعيدا عن (السيرة الهلالية) يستلهم كاتب هذه السطور القصة الفرعونية القديمة وهي قصة (الفلاح الفصيح) الشعبية في نص (ديوان المظالم) 2003 وفي شكل عصري تماما وكأن القصة تتكرر الآن من خلال شخصيات معاصرة مع التصرف في التفاصيل والنهاية ، وفي مجموعة (الموكب) 2005 التي تضم تسع مسرحيات قصيرة وطويلة يقدم مجموعة من التجارب التي كتبها في فترات سابقة متفرقة بعضها مستلهم من التراث الشعبي الشفاهي في مسرحيات (نداء الأرض) ، و (الخلوة) ، و (وادي النمل ) ، و (الموكب) ، أو التجريب في الإعداد عن وسائط أخرى كما في مسرحيتي : مونودراما و(الزمن الوغد) عن قصة قصيرة لسعد مكاوي ، و (حبات المسبحة) عن كتاب (مثنوي جلال الدين الرومي) الجزء الأول ، وكذا التجريب الحر فيما يمكن أن يسمى مسرح الشارع – في إطار شكل المغني الجوال كما في نص (الحلقة) بالإضافة إلي نص تقليدي هو (تصريح خروج) .

وفي إطار الفولكلور الفلسطيني في مواجهة (مذكرات) الصهيوني موشي ديان يأتي نص (حلم الأباريق الفخارية)، لتجسيد أشكال المقاومة الفلسطينية ضد الغزوة التترية الصهيونية . ومن التراث العربي القديم يقدم مسرحية (اللعنة من فوق المنبر) والتي نالت جائزة أبو القاسم الشابي التونسية عام 1994 ، و تعتمد على وقائع تاريخية وقعت فيها المجازر العربية - العربية – حيث يقتل العربي أخاه .. منذ بدايات التاريخ الإسلامي ، وذلك من منظور الشخصيات المهمشة والمتناثرة خارج الإطار الرسمي للتاريخ ، والمهملة خارج الأسوار – أسوار قصور الحكام والملوك – لتتضح رؤية هؤلاء للأحداث الكبرى التي تشكل لهم الوجود وتصوغ مصائرهم .. فالمشهد هنا – يأتي من منظور المهمشين ، وعبر عيون البشر العاديين .. حيث يتناثرون في الأركان – مع شخصيات النص التاريخية(عبد الرحمن بن الأشعث) ، الحجاج بن يوسف الثقفي وغيرهما ... مستلهما نماذج مختلفة من الثقافة العربية الدارجة المنتشرة في كتب التراث (كالأغاني) ، و(العقد الفريد) .