المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : كُن جميلاً يا صديقي....! - قصة د. صفاء رفعت


أحمد طوسون
25-10-2007, 20:35
كُن جميلاً يا صديقي....!
د .صفاء رفعت
عندما .... داعبت الريح وجه النهر الجميل
بدأت موجاته تتراقص
و بللت ريش عصفور صغير كان يغني
و قد توقف ليشرب متمسكا بحافة فرع صفصافة متدلٍ نحو النهر,
تفاجأ العصفور الصغير برشة الماء الباردة فانتفض مبتعداً عن النهر, و بدا حزيناً و هو يحاول تمشيط جناحيه
بطرف منقاره الأحمر المدبب في ظل الشجرة,
و عندما لاحظت أزهار الشمس أنه قد توقف عن الغناء
قالت له : كيف تبدو حزينا و أشعة الشمس الذهبية الرائعة تمتد بحنان
لتحيط بكل شيء و تمنح من دفئها للجميع ,
تأمل معي كم هي جميلة و هي تضيء المرج فتزيد اخضراره بهاءاً
و تتلألأ على مويجات النهر المرتحلة في طريقها الطويل إلى البحر العميق البعيد .



و هنا توقف العصفور الصغير
و تطلع بعينيه لأزهار الشمس الزاهية الألوان
وقال لها : نعم نعم , لقد رأيت البحر منذ أيام عندما حلقت عالياً خلف الوادي
عند نهاية مجرى النهر,
إنه يشبه السماء التي تتمدد في زرقة متناهية.



فتبسمت الأزهار و تعجبت من جديد
و سألته: كيف تبدو حزينا و لديك جناحان
تحلق بهما في زرقة السماء الممتدة خلف البحار؟؟
فأخبرها بأنه قد شعر بالبرد عندما بلل جناحاه ماء النهر,



فضحكت منه أزهار المرج كله
و طلبت منه أن يتوقف عن الاختباء في الظل
و أن يمد جناحيه في وجه الشمس ليمتد إليه دفئها فتجف...
و عندما بدء العصفور الصغير يشعر بالدفء بدأ يغرد و يغني :

أنا العصفور الصغير
في سماء الكون أعلو
و أغني و أطير
فأنا أحلى الطيور

فتملك الكل الفرح و الطرب و تراقصت معه الأغصان و الأزهار
و حتى النحلة المجتهدة توقفت عن جمع الرحيق
و بدأت ترقص مع الفراشات البيضاء و الأرجوانية و الزرقاء
التي تناثرت على أوراق الأزهار المشرعة في وجه الشمس



و اخذ العصفور الصغير يصفق بجناحيه سعيدا لهذه البهجة
التي استولت على الجميع . لكنه.... بدا حزينا من جديد
عندما وجد أن الجميع بدأوا يراقبون الفراشات الراقصة بسعادة و إعجاب
و عندما سمع النحلة المجتهدة و هي تمتدح الفراشات الجميلة
و تخبرها بأنها أرشق الكائنات على الإطلاق ,
و زاد من ضيقه أن أحداً لم يشعر بغيابه عندما توقف عن الرقص و عن الغناء
و انزوى على غصن بعيد وحيداً شارداً...

و أخذ يفكر ملياً ...
و قرر فجأة أن يريهم جميعاً أنه أكثر رشاقة من الفراشات الراقصة ,
فأخذ يطير متنقلا بين الأغصان و بدأ يحلق عالياً في السماء
و يدور حول نفسه محاولا تقليد الفراشات الصغيرة في رقصاتها ,
لكنه بدا غريبا و يبالغ في حركاته المندفعة
حتى.... اصطدم بأحد الأغصان و ترنح ساقطاً على الأعشاب الخضراء
و قد أصابه الدوار... و ضحكت منه الأزهار و الفراشات و الأغصان
و النحلة المجتهدة و السيد دبدوب ....



شعر العصفور الصغير بالخجل الشديد
و بدأ يحس بأنه غبي و قبيح و نزق...
و كان على وشك البكاء حين سمع صوت النملة الذكية تتحدث إليه
و قد توقفت عن جمع الحبوب عندما وجدته قد سقط بين الأعشاب,
قالت له صديقته النملة الذكية :
لماذا تصرفت بهذا الشكل الغريب أيها العصفور الجميل؟



فقال لها : لست عصفورا جميلاً ولا مميزاً أبداً
فالفراشات الملونة أكثر رشاقة مني
فهي تستطيع أن ترقص و تحلق ببراعة في السماء
دون أن تصطدم مثلي بالأغصان و تسقط كدب بدين,,
وهنا قالت له النملة: أخفض صوتك كي لا يغضب منك السيد دبدوب الطيب,,
ثم من قال بأنك لست عصفورا جميلاً؟
دعك من رشاقة الفراشات ,
أليس لك هذا الصوت العذب الجميل الذي علّم كل من في المرج الرقص و الغناء معك
و أدخل البهجة علينا جميعا
حتى أنني كدت أتوقف عن العمل لأستمع لك و أنت تغني بسعادة,
دعك من هذا و لتعد لتحلق في السماء مغرداً للجميع لتزيد من بهجة هذا الصباح الجميل ,
و لتحاول أن تقوم بعمل مفيد بينما تغني بصوتك العذب
فما أجمل العمل مع الغناء و ما أسوأ أن يضيع منا يومٌ دون عمل مفيد..



و بالفعل , ابتهج العصفور الصغير بكلام النملة الذكية
فقد أكتشف أنه يستطيع وحده أن يغرد بهذا الصوت العذب
بينما لا تفعل ذلك الفراشات الرشيقة أو النحلة المجتهدة
و لا حتى الأزهار الملونة..



فأخذ يغني مبتهجا من جديد :

أنا العصفور الصغير
و أنا وحدي أغني,
و أغرد و أطير,
فأنا أحلى الطيور..
و أخذ العصفور يجمع بعض عيدان القش الذهبية ليغزل منها عشه
كما نصحته النملة الذكية بأن لا يجعل يومه يضيع في اللعب و الرقص فقط ..



و بعد قليل.. عندما آذنت شمس النهار بالغروب,
سمع الجميع صوتاً جميلا صادحا كأنما جاء من أرض الأحلام ,
حتى أن صديقنا العصفور كفَّ عن التغريد لينصت له ,
لقد ذلك هو صوت الكروان الحالم و كان صوتا جميلا بالفعل ...
حتى إن السيد دبدوب الذي لا يتحدث كثيراً في العادة
توقف عن لعق العسل العالق بأصابعه ليحيي طائر الكروان الطيب القلب
و قال بأن له لحناً ندياً حالماً و أنه أجمل أصوات الطيور على الإطلاق...



و عندما حاول عصفورنا الصغير أن يصدح مادا صوته ليقلد لحن الكروان
نظر له السيد دبدوب بغضب و استياء
ليكف عن إصدار هذا الصوت الذي لم يكن متناغما بأي حال.

و هنا أدرك العصفور أنه لم يعد مميزاً من جديد ,,
فهناك من يملك صوتاً أعذب من صوته ,,,
و توقف عن جمع أعواد القش الذهبية و انزوى شارد الذهن في ظل شجرة الصفصاف.

و عندما لاحظت النملة الذكية عبوسه و شروده قالت له :
لماذا تبدو عابساً حزينا يا صديقي ؟
فهز رأسه بأن لا شيء...
ثم سألها بعد قليل: هل سمعت صوت الكروان ؟
و هنا فهمت النملة الذكية ما حدث فقالت له : نعم ,
يا لجمال صوته الحزين الحالم ,
إنه يشعرك عندما يصدح في سكون الليل منفردا وحيدا
بأنه آتٍ من عالم ملائكي السمات و أنه يخبيء وراءه حكايات لا تحكى ...
. انه شاعر الطيور و طائر ليل العابدين و العشاق .. هل أحببت صوته؟؟
فهز رأسه مجيبا بنعم,,
و بقي حزينا لبرهة ,
بينما وقفت النملة تراقبه في هدوء و حكمة,
ثم قطع الصمت قائلا لها :
لكنك قلت لي أنني عصفور مميز لأن باستطاعتي أن أغرد مغنيا بصوت عذب ,,
و ها هو الكروان الحالم يتغنى بلحنٍ أجمل من كل صوت آخر ,
لقد سمعت السيد دبدوب يقول إن صوته هو أجمل الأصوات على الإطلاق,
وأراد مني أن أصمت حتى يتسنى له الاستمتاع بلحنه ..

فقالت له النملة: نعم يا صديقي ,
إن صوت الكروان هو أجمل أصوات الطيور لكنه يصدح بالليل , و أنت تغرّد بالنهار,,
و أنت لديك ما يميزك كذلك حتى إن كان صوت الكروان أجمل من صوتك ,
فمثلا لديك هذا الريش الملوّن البديع
و الذي يملأ العيون بالبهجة عندما يتلألأ تحت أشعة الشمس أو ضوء القمر,
و بإمكانك أن تكون أجمل و أكثر تميزاً بقلبك الجميل الطيب
حتى إن لم يكن لديك هذا الريش الملون الجميل..



و يبدو أن صديقنا قد أعجبه كلام النملة
و بدا و كأنما اكتشف شيئاً جديدا لم يكن يعرفه,,
فبدأ يفرد جناحيه تحت ضوء القمر الفضي ليتأمل كم هما جميلين فعلاً
و نام في عشه الصغير الدافئ و هو ينتظر بفارغ الصبر
أن يرى ألوان جناحيه في شمس الصباح..
و في الصباح الجميل,,
كان العصفور سعيدا باكتشافه الجديد , و كان يتنقل بين الأغصان و بدأ يساعد الطيور الأخرى في جمع الطعام لإطعام الصغار الذين لم يتعلموا الطيران بعد, و يحمل الماء في منقاره ليسقي صاحباته الأزهار و بدأ يدل النملة الذكية على مكان الحبوب التي رآها و هو يطير فوق المرج...كان سعيدا بكل شيء و بدأ يغني من جديد:

أنا العصفور الجميل
بجناحاي أحلق,,
في سماء الكون وحدي,,
و أغني و أغرد,,
و أحب كل صحبي,,
فأنا أحلى الطيور...
و بعد قليل ... حط الهدهد الحكيم على غصنٍ بعيد ,,
فتوجهت إليه كل الأنظار و بدأوا في الإحتفاء به
و أبدوا سعادتهم بمروره على مرجهم الصغير...
و أخذت الطيور تستشيره و تسترشد بحكمة رأيه في عدة أمور
و كان الهدهد يجيب عليهم جميعا في تواضع و ثقة
و قد بدا ملكاً متوجاً بتاج الحكمة,,





و أخذ صديقنا ينظر إليه ملياً...
و ظل صامتاً لوقت طويل,,
فقد شعر مرة أخرى بأن هناك من هو أهم و أكثر تميزا منه..

و بعد أن انتصف النهار خرج العصفور إلى المرج من جديد
و قد انتزع بضع ريشات من ذيله و علقها فوق رأسه
و وقف فوق غصن مرتفع مزهواً بنفسه ,
و أجاب من سأله عن ذلك بأنه " تاج الحكمة"
فتعجب الجميع منه ضاحكين و تركوه وحده على غصنه,
و هبت نسمة عابرة فأسقطت ريشات تاج الحكمة عن رأسه
فأخذ يلاحقها و هي تطير بعيدا بعيدً
ثم تهوي على الأعشاب الخضراء في ظل الشجرة,,



و هنا وجد صديقته النملة الذكية ,
فسألته لماذا انتزع هذه الريشات من ذيله ليعلقها فوق رأسه ؟؟
فقال لها : لقد سقط تاج الريش من على رأسي,,
ألم تري السيد هدهد؟
أجابت : هل تقصد الهدهد الحكيم؟
فقال لها و هو يبكي :
ألم تخبريني بأنني عصفور مميز لأن لي ريش بديع ليس لأحد غيري ؟ ,
لكني اكتشفت أنني لست مميزا أبدا
فالهدهد الحكيم له ريش أكثر بهاءاً و وجاهة من ريشي
حتى أن له تاج فوق رأسه لا تسقطه الريح ,
و قد التفت حوله كل أسراب الطيور لتشيد به و تستشيره....
أما أنا فعصفور تعس بلا قيمة و لا أهم أحداً.



فقالت له النملة: الهدهد الحكيم هو وحده من يحمل هذا التاج فوق رأسه ,
و كل الطيور تحبه و تسترشد برأيه لأنه أكثر الحيوانات حكمة على الإطلاق
و ليس لأن له تاجا فوق رأسه ,
في الحقيقة لقد منحه الله هذا التاج مكافئة له على جمال حكمته و رجاحة رأيه
و هو يستحقه فعلا ..
ألا تعتقد ذلك أنت أيضاً.
فأجابها: بلى.

قالت النملة الذكية : و لكنك أيضا جميل ورائع و مميز و لا مثيل لك يا صديقي.

و هنا نظر لها العصفور الباكي متعجباً..

فأكملت النملة الذكية : نعم ,, لا يوجد أحد مثلك على الإطلاق ,
فأنت وحدك صديقي العصفور الصغير,,
لست بحاجة لأن تكون أكثر رشاقة من الفراشات الراقصة,
أو أعذب صوتاً من الكروان الحالم ,
و لا أن يكون لك تاج من الريش الجميل كالهدهد الحكيم
لكي تكون جميلا و متميزا و منفردا....
حاول أن تكون كما خلقك الله تعالى
و كما أراد لك أن تكون عصفورا نشيطا جميل اللون عذب الصوت
له قلب طيب يحب الجميع و يساعدهم ,
أن تحب الجميع و أن تكون سعيدا بتميزهم و مستمتعا بالجمال الذي منحه الله لهم جميعا ,
و تأكد بأنه لا يمكن لأي منهم أن يحل مكانك ,,
فأنت وحدك صديقي.... العصفور المغرد الصغير...
فقط ابحث في أعماقك عنك , و كن أنت.



يبدو أن كلام النملة الذكية
كان كافيا لجعل صديقنا العصفور يتوقف عن نزقه و يتخلى عن كآبته ,
و بسط لها جناحيه و قال لها في سعادة و هو يتقمص دور أمير أسطوري :
دعيني أحملك في جولة قصيرة حول المرج أيتها الأميرة ....



و بدأ يحلق سعيداً مغرداً
و هو يغني :

كن جميلا يا صديقي,
و تمتع بالجمال,
فجمال الله يعلو,
سامياً فوق الخيال,

كن حنونا يا صديقي,
و اكتسب خير الخصال,
بنقاء القلب تبقى,
رائعاً في كل حال,

كن صدوقاً يا صديقي,
هاديا درب الجلال,
بإتباع الخير تغدو,
عاليا فوق الجبال...