وائل وجدي
19-10-2005, 16:34
تطالعنا – دوماً – الروائية التشيلية / إيزابيل ألليندي –المبهرة – برواية جديدة ، تنسج أحداثها ، وشخصياتها – ببراعة - ، وتضفر الخاص بالعام ؛ كحبات العقد .
ومنذ أيام ، صدرت الترجمة العربية ؛ لذكرياتها ، الموسومة : " بلدي المخترع ، وبتعبير أدق : سيرة " تشيلي " في قلب إيزابيل ألليندي ..
وقبل أن نولج إلى كتابها – الشائق – نشير إلى الترجمة المبدعة لـ رفعت عطفة ، والذي جعلني لا أشعر البتة ؛ أنني أقرأ بلغة وسيطة ؛ اللغة : سلسة ، رقراقة .
" ولدت وسط دخان وموت الحرب الثانية ، وانقضى معظم شبابي بانتظار أن يتطاير الكوكب شظايا حين يضغط أحد ما زر وتنطلق القنابل الذرية . لا أحد كان ينتظر أن يعيش طويلا جداً ، كنا نمضي مستعجلين نجترع كل لحظة قبل أن يفاجئنا الهول ..... ثم إنني ترعرعت في سا نتياغو تشيلي ، حيث تبتر كل نزعة إلى تأمل الذات .....حدثان جديدان أفلتا العنان لهذه الجائحة من الذكريات . الأولى ملاحظة عرضية من حفيدي ألخاندرو الذي باغتني وأنا أتحرى خريطة تجاعيدي أمام المرآة ، وقال لي مشفقاً : [ لا تهتمي ، يا عجوزي ، ستعيشين ثلاث سنوات على الأقل ] . عندئذ قررت أن الساعة حانت كي ألقى نظرة أخرى على حياتي ، وأتحقق كيف أريد أن أمضى هذه السنوات الثلاث ، التي منحت لي بكل سخاء . الحدث الثاني كان سؤالاً من مجهول في ندوة لكٌتاب الرحلات حالفني الحظ بافتتاحها.......ارتفعت يد من بين الجمهور ، وسألني شاب ما الدور الذي يلعبه الحنين في رواياتي. بقيت صامتة لحظة . حنين ... حسب القاموس [هو ألم أن يرى المرء نفسه غائباً عن وطنه ، هو الحزن الذي تثيره سعادة مفقودة ] . قطع السؤال الهواء عني ، لأنني حتى تلك اللحظة لم أنتبه إلى أنني أكتب كتمرين متواصل عن الاشتياق . طوال حياتي كنت غريبة تقريباً وهو الوضع الذي أقبله ، لأنه لا خيار آخر أمامي . وجدت آخر أمامي . وجدت نفسي مرات عديدة مجبرة على المغادرة ، محطمة الأغلال ، مخلفة كل شىء ورائي ، كى أبدأ من جديد في مكان آخر ؛ فلقد جبت متغيرة طرقاً أكثر مما أستطيع تذكره . ومن كثرة ما ودعت جفت جذوري واضطررت أن أستنبت أخرى ، استوطنت الذاكرة لعدم وجود مكان جغرافي تستوطنه . لكن حذار! فالذاكرة متاهة..... الحنين عيبي . الحنين شعور حزين ومتكلف قليلاً مثل الرقة ؛ يكاد يكون من المحال تقريباً التطرق للموضوع دون الوقوع في العاطفية ، لكنني سأحاول ......."
هكذا ؛ تبدأ سرد ذكرياتها ، المنسوجة بصدق إحساساتها ، وتكشف لقاريء عالمها الروائي ما لم يعرفه من خلفية ثقافية وبيئية ؛ كان لها أثر واضح فيما تكتب.. وبطبيعة الحال ، لن نستطيع أن نلخص كتابها ؛ كل ما نستطيع أن نقوم به ؛ هى لمحات من هذا العالم الساحر ؛ أوبمعنى أدق نجتزىء: سطور من هنا وهناك ؛ لعلنى أعطى صورة بانوراميا ؛ لزخم ذكرياتها ؛ حتى تكون دافعًا ؛ للقراءة الجادة..
" ...أنا قديمة قدم البنسلين الصناعى – تبدأ الواحدة بتذكر الأشياء التى محاها نصف قرن. لم أفكر فى طفولتى ، ولا فى مراهقتى خلال عقود – وفى الحقيقة قليلاً ما كانت تهمنى تلك المراحل من الماضى السحيق – وحين كنت أرى ألبومات صور أمى لم أكن أعرف أحداً فيها باستثناء كلبة البولدوغ ، باسمها غير المحتمل : بلبينا لوبث – بون ، والسبب الوحيد الذى بقيت لأجله محفورة فى ذاكرتى هو أننا كنا نشبه بعضنا بطريقة ملحوظة . توجد صورة لنا وهى ، حين كان عمرى أشهراً قليلة ؛ اضطرت أمى فيها أن تشير بسهم إلى من يكون كل منا . لا شك أن ذاكرتى السيئة تعود إلى أن تلك الأيام لم تكن سعيدة على وجه الخصوص ، لكننى أعتقد أن هذا ما يحدث لكل البشر الفانين .الطفولة السعيدة أسطورة .....كان شقاء طفولتى الطبيعى يتفاقم نتيجة كومة من العقد المتشابكة ، التى ما عاد باستطاعتى حتى أن أعددها . لكن من حسن حظى أنها لم تخلف جراحاً لم يشفها الزمن .... لم أنسجم مع أى مكان . لا مع الأسرة ، ولا مع الطبقة الاجتماعية...."
" ... تشيلى ، هذا البلد القصى الذى يندر من يستطيع أن يحدده على الخريطة ، لأنه أبعد بلد يمكن أن يذهب إليه المرء دون أن يسقط من الكوكب ... ما من أحد يمر هناك مصادفة ، مهما كان تائهاً ، وإن قرر كثير من الزوار البقاء فيه للأبد عاشقين للناس والأرض . إنه نهاية كل الطرق ، رمح فى جنوب جنوب أمريكا ، أربعة آلاف وثلاثمائه كيلو متر من الهضاب والوديان والبحيرات والبحر . هكذا يصفه نيرودا فى شعره الملتهب :
ليل وثلج ورمل تعطى
وطنى النحيل شكله ،
كل الصمت فى خطه الطويل ،
كل الزبد يخرج من لحيته البحرية ،
كل الفحم يملؤه بالقبل الغامضة .
هذا البلد الرشيق كجزيرة ، مفصول عن بقية القارة من الشمال بصحراء أتلكاما ، أكثر صحارى العالم جفافاً حسب ما يحب أن يقول سكانها ، وإن كان هذا ليس صحيحاً ، لأن قسماً من هذا الحطام القمرى يرتدى عادة دثاراً من الزهر ، مثل لوحة عجيبة ( لمونية ) ، فمن الشرق سلسلة جبال الأند ، الخليط الرهيب من الصخور والثلوج الأبدية ؛ ومن الغرب شواطىء المحيط الهادى الوعرة ؛ ومن الأسفل أنتارتيدا الموحشة . بلد الطبوغرافية المأساوية والطقس المتنوع ، المرقش بعوائق نزوية والمهزوز بزفرات مئات البراكين ، الموجود كمعجزة جيولوجية بين مرتفعات الجبال وأعماق البحار ، والمتحد من رأسه إلى ذيله بمشاعر سكانه الوطنية القوية ."
" ... ذهبت فى طفولتى إلى الشمال ولم أنسه ، رغم أنه مر خمسون عاماً على ذلك . بعدها كان من نصيبى أن أجتاز صحراء أتاكاما مرتين ، ومع أن التجربة دائماً رائعة إلا أن ذكريات تلك المرة الأولى أكثر حضوراً . أنتوفاغاستا ، التى تعنى باللغة الكتشوية ( بلد السبخة الكبرى ) ، ليس فى ذاكرتى مدينة اليوم الحديثة ، بل ميناء مهجوراً ومدقع الفقر ، تفوح من لرائحة اليود ، مرقش بزوارق الصيد والنوارس والبجع ....أتذكر أننا صعدنا أنا وأسرتى محملين بالأحمال إلى قطار كان يسير بخطو سلحفاة فى صحراء أتاكاما القاسية باتجاه وليفيا . شمس وحجارة متكلسة ، كيلو مترات وكيلو مترات من الوحشة الشبحية ، ومن حين لآخر تظهر مقبرة مهجورة ، أبنية خربة من طوب أوخشب . كانت الحرارة جافة ، حتى الذباب لا يستطيع أن يعيش فيها ؛ العطش لا ينتهى ، ونشرب غالونات من الماء ، نمتص برتقالاً ونحمى بشق النفس أنفسنا من الغبار الذى كان ينفذ من كل شق ؛ فشفاهنا تتشقق حتى تدمى ، وتؤلمنا آذاننا ، لقد أصبنا بالتجفاف . فى الليل كان يحل برد قاس كالزجاج ، والقمر يضىء المشهد بسطوع أزرق . زرت بعد سنوات طويلة تشوكيكاماتا ، أكبر منجم نحاس فتح فى العالم قطعاً ، وهو مسرح رومانى شاسع حيث ينتزع آلاف الرجال المغبرين كالنمل ، المعدن من الحجارة . صعد القطار أكثر من أربعة آلاف متر وهبطت الحرارة إلى درجة أن الماء كان يتجمد فى الكأس . مررنا بمملحة أويونى ، وهى بحر أبيض يسوده صمت خالص ولا تطير فوقه الطيور ، وممالح أخرى رأينا فيها طيور النحام . كانت تبدو مثل ضربات ريشة رسام بين الكريستال المتشكل فى الملح ، كأنه حجارة كريمة .... تملك تشيلى قطعة من قارة أنتارتيكا المجهولة ، عالم الجليد والوحشة ، والبياض المطلق ، حيث تولد الخرافات ويموت الرجال ؛ على القطب الجنوبى نصبنا رايتنا . زمن طويل مر لم يول فيه أحد قيمة لأنتارتيدا ، لكننا نعلم اليوم كم من الثروات المعدنية تختبىء إضافة إلى أنها جنة الحيوانات البحرية ، وهكذا لم يبق بلد إلا ووضع عينه عليها . تسمح عابرة قارات بزيارتها صيفاً براحة نسبية ، لكنها تكلف غالياً ، واليوم لا يقوم بالسفر إليها إلا السياح الأثرياء وعلماء بيئة فقراء ، لكنهم أصحاب عزيمة ....هناك تماثيل هائلة لا تحصى من الحجارة البركانية مبعثرة فى الجزيرة ، بعضها يزن أكثر من عشرين طناً . وقد حيرت هذه ( الموايات ) الخبراء قروناً عديدة ؛ فنحتها على سفوح البراكين ثم جرها عبر أرض غير مستوية ، ونصبها فوق منصات هى فى الغالب عصية المنال ، ووضع قبعة من الحجر الأحمر عليها ، كانت مهمة عمالقة . كيف فعلوا ذلك ؟ لا توجد أثار لحضارة متطورة تفسر مثل هذه المأثرة... كى يرى المرء بلدى بقلبه عليه أن يقرأ بابلو نيرودا ، الشاعر القومى الذى خلد بأشعاره المناظر الشامخة والنكهات والأسحار ، والمطر العنيد والفقر الكريم ، والرواقية وحسن الضيافة ......"
" أسرتى من سانتياغو....وهى تضمّ اليوم خمسة ملايين نسمة ونصف ، يعيشون بأفضل ما يستطيعون . لا بدّ أنها مدينة جميلة ، لأنها نظيفة ولا تنقصها الحدائق ، لولا أنه تعلوها قبعة شهباء من التلوث ، تقتل فى الشتاء أطفالاً فى مهورهم ، وشيوخاً فى مآويهم وعصافير فى الجو . اعتاد السانتياغيون أن يتابعوا مؤشر ( الضبخن)- مزيج من ضباب ودخان – اليومى ، تماماً كما يتابعون حساب بورصة السندات ونتائج كرة القدم . فى الأيام التى يرتفع فيها المؤشر أكثر من اللازم تحدد حركة السيارات حسب رقم الإجازة ، والأطفال لا يمارسون الرياضة فى المدرسة ، ويحاول بقية السكان أن ينفسوا أقل ما يستيطعون . تغسل المطرة السنوية الأولى وسخ الجو الذى يسقط مثل الحامض فوق المدينة ؛ وإذا ما كنت تسير دون مظلة ستشعر كما لو أنهم صبوا عصير ليمون على عينيك ؛ لكن لا تهتم ، فحتى الآن لم يعم أحد لهذا السبب بعد. ليست كل الأيام كذلك ، فأحياناً تشرق منقشعة ويمكن تأمل المشهد الرائع للجبال المغطاة بالثلج... فى طفولتى كانت أسرتى تخرج إلى الشاطىء مدة سهرين ، رحلة سفارى حقيقة فى سيارة جدى ، المحملة بطن من الأمتعة فوق السبك وثلاثة صبية دائخين تماماً فى داخلها . كانت الطرق فى تلك الأيام فى غاية السوء وعلينا أن نمضى مثل أفعى صاعدين هضاباً وهابطين أخرى بجهد جبار بالنسبة للسيارة . كنا نضطر دائماً لتبديل إطار أو إطارين ، وهو عمل كان يتطلب تنزيل كل الأحمال . كان جدى يحمل فى حضنه مسدساً ضخماً ، من تلك التى كانت تستخدم فى المبارزة ، لأن كان يظن أن بعض قطاع الطرق اعتاد أن يكمن فى نزلة كوراكابى....ما إن يخرج المرء من سانتياغو ، حتى يصبح المنظر ريفياً: مراتع خيل محاطة بالحور ، روابى وكروم عنب . أنصح الزائر بالتوقف لشراء الفواكه والخضروات من المحلات المنتشرة على امتداد الطريق ، أو أن ينعطف قليلاً ويدخل فى القرى الفقيرة بحثاً عن بيت ترفرف فوقه خرقة بيضاء ، هناك يقدمون خبزاً معجوناً يدوياً وعسلاً وبيضاً ذهبى اللون ....على طريق الساحل توجد شواطىء للسباحة وقرى ساحرة وخلجان مليئة بالشباك والزوارق ، حيث توجد كنوز مطبخنا الخرافية : أولها ثعبان الماء ، ملك البحر ، بصدرته ذات الحراشف المزخرفة ، يليه الكوربين ، ذو الحم الأبيض اللذيذ ، يرافقه مئة نوع آخر من أسماك أكثر تواضعاً ، لكنها لذيذة مثله ، تليها على الفور بحرياتنا : السرطان العنكبوتى ، المحار والبلح البحرى والأستريدية ،والأبالونات والقريدس الكبير وقنفذ البحر وغيرها كثير... وأسماكنا من الجودة بحيث أن تحضيرها لا يتطلب معرفة مطبخية . افرش طبقة من البصل المفروم فى قصعة فخارية أو من الزجاج الحرارى ، ضع فوقها السمك البراق مغطساً بالليمون مع عدة ملاعق زبدة ، ورشة ملح وفلفل أسود . ضعها فى الفرن الساخن حتى ينضج اللحم ، لكن من دون إفراط ، كيلا يجف ، ثم قدمه ..... وكان فى بيتنا ، كما فى كل بيت تشيلى ، حيوانات ؛ والكلاب يتم الحصول عليها بطرق مختلفة : تورث ، تهدى ، وموجودة هناك مظلومة ، لكنها حية أو تتبع الطفل عند خروجه من المدرسة فلا تعود توجد إمكانية لإخراجها... لاأعرف تشيلياً واحداً اشترى كلباً ؛ الوحيدون الذين كانوا يفعلون ذلك هم المتعصبون لـ ( كنل كلوب ) ، لكن ما من أحد يأخذها مأخذ الجد ؛ فغالبية كلابنا الوطنية كانت تسمى أسود حتى ولو كان لونها آخر ، والقطط تدعى باسم النوع ميثيفو أو كوتشو ....نذهب مرتين إلى فرن الزاوية بحثاً عن الخبز ، ونحضره إلى البيت ملفوفاً فى قطعة قماش أبيض . رائحة ذلك الخبز الخارج من الفرن للتو ، وهو ما يزال دافئاً ، واحدة من أكثر ذكريات طفولتى حضوراً . كان الحليب كريماً مزبداً يباع من دون تعليب . كان الجرس المعلق إلى عنق الجواد ورائحة الإسطبل التى تغزو الشارع تعلن عن وصول عربة الحليب ؛ والمستخدمات يقفن فى الصف بأوعيتهن ويشترينه بالطاسة ، وكان بائع الحليب يقيسه بإدخال ذراعه المشعرة حتى إبطه فى الأوعية الكبيرة ، المغطاة دائماً بالذباب . أحياناً كانوا يشترون عدة لترات أكثر ، لصنع المنخار الأبيض – أوحلوى الحليب – التى تدوم عدة أشهر بتخزينها فى عتمة القبو البارد ، حيث يخزن النبيذ ، المعبأ فى البيت أيضاً..."
" أول ذكرى لى عن تشيلى هى بيت لم أعرفه . كان بطل روايتى الأولى ، بيت الأرواح ، حيث يظهر كبيت يؤوى ذرية آل تروبا . هذه الأسرة الوهمية تشبه إلى حد مقلق أسرة أمى ، فلا يمكن أن أكون قد استطعت أن أخترع شخصيات مثل تلك . مع أنه لم يكن ضرورياً فى عائلة مثل عائلتى . إن فكرة ( بيت الزاوية الكبير) ، الذى يظهر فى الكتاب انبثقت من منزل شارع كوتو القديم ، الذى ولدت فيه أمى، واستذكره جدى كثيراً ،حتى ليبدوا لى أننى عشت فبه . لم تعد هناك بيوت من هذا النوع فى سانتياغو ، فقد التهما التقدم والنمو السكانى ، لكنها مازالت موجودة فى المقاطعات . أستطيع أن أراه : فسيحاً ، فاتراً ، متداعياً من الاستخدام والتمادى ، عالى السقوف ، ضيق النوافذ وله ثلاثة فناءات ، الأول فناء البرتقال والياسمين ،حيث كانت تصدح نافورة ، والثانى فيه بستان تغطية الأعشاب الضارة ، والثالث فوضى من أحواض غسيل وبيوت كلاب وأخمام دجاج ، وغرف مستخدمات غير صحية ، مثل زنزانات فى سجن تحت الأرض . وللذهاب إلى الحمام ليلاً كان على المرء أن يمضى فى نزهة مصطحباً قنديلاً ، ومتحدياً تيارات الهواء والعناكب ، ويصم أذنيه عن صرير الخشب وجرى الجرذان . كان البيت الذى يدخل إليه من شارعين ، مكوناً من طابق واحد وعليه ، ويضم قبيلة من آباء الأجداد والعمات العوانس ، وأبناء الأعمام والخدم والأقوياء الفقراء والضيوف ، الذين يقيمون للأبد دون أن يجرؤ أحد على طردهم لأن ( الغرباء ) محميون بعرف الضيافة المقدس ، إضافة إلى هذا الشبح وذاك المشكوك بحقيقته ، ممن لم تكن تخلو منهم أسرتى . هناك من أكد لى أن الأرواح كانت تتعذب بين تلك الجدران ، لكن أحد أقربائى الشيوخ اعترف لى بأنه كان فى طفولته يتقنع بلباس عسكرى قديم ليخيف الخالة كوبرتينا ..... لم يمض زمن طويل على ذهاب صحافى يابانى إلى سانتياغو بهدف تصوير ( بيت الزاوية الكبير ) المفترض ، الذى يظهر فى روايتى الأولى حيث كان من العبث أن أوضح له أنه وهم . خرج الرجل المسكين ، بعد تلك الرحلة الطويلة ، بخيبة أمل رهيبة ، لأن سانتياغو كانت قد هدمت وأعيد بناؤها مرات عديدة . لا شىء يدوم فى هذه المدينة . فالبيت الذى بناه جدى صار الآن ديسكوتيك من النوع البائس ؛ مسخاً محزناً من البلاستيك الأسود والأنوار المفرحة . ومنزل شارع كوتو ، الذى كان لأب جدى قد اختفى منذ سنوات طويلة ويقوم مكانه الآن برجان حديثان لمستأجرين من ذوى الدخل المنخفض ، لا يمكن تمييزها بين قرابة اثنى عشر بناء متشابهين . اسمح لى بأن أقدم تعليقاً مثل نزوة عاطفية عن ذلك الهدم . وصلت ذات يوم آلات التقدم بمهمة نسف بيت أسلافى ؛ وسوت الديناصورات المعدنية التى لا ترحم ، خلال أسابيع ، الأرض بقوائمها المسننة . أخيراً حين استقر غبار البدو استطاع المارة أن يتأكدوا من أنه ما زالت تنتصب فى ذلك القفر بعض النخلات سليمة . انتظرت موحشة وعارية بشعرها الذابل ومظهرها الرمادى المتواضع نهايتها ، لكن ظهر بدل الجلاد المرعب عدة عمال يتصببون عرقاً ، وحفروا مثل نمل نشيط خنادق حول كل شجرة منها حتى فصلوها عن الأرض . تشبثت الشجرات الرشيقة بجذورها الدقيقة بحفنات من التراب الجاف ، وحملت الرافعات النخلات الجريحة إلى بعض الحفر التى أعدها عمال الحدائق لها فى مكان آخر ، وزرعوها هناك . أنّت الجذوع بصمت وسقطت السعف على شكل نسالة صفراء ، وبقيت فترة بدا أنه لا شىء يستطيع إنقاذها من كل ذلك الاحتضار ، لكنها مخلوقات عنيدة ، فقد راح تمرد سفلى بطىء يدب الحياة فيها ، وشقت المجسات النباتية طريقها خالطة بقايا تربة شارع كوتو بالتربة الجديدة .وذات ربيع حتمي جاء الصباح على النخلات وقد هزت شعرها الحي والمتجدد الذي حف بخصرها رغم كل شىء . كثيراً ما تراوده صورة نخلات أسلافي هذه فكرى حين أفكر بمصيري كمنفية . قدري أن أمضى من مكان إلى آخر ، يو م أتكيف مع أراض جديدة . أظن أنني أتمكن من ذلك لأنني دائماً أحمل معي حفنة من تراب بلدي . في جميع الأحوال عاد الصحافي الياباني ، الذي ذهب إلى نهاية العالم ليصور داراً مذكورة في رواية إلى وطنه خالي الوفاض ...."
"... كان جدي اغوستين رجلاً صلباً وقوياً كمحارب ، رغم أنه ولد بساق أقصر من أخرى . لم يخطذر بباله قط أن يستشير طبيباً لهذه المسألة وفضل عليه " مجبراً " ، كان أعمى يجبر أرجل الخيول المصابة في نادي الخيول ومعرفته بالعظام أكبر من معرفة أي طبيب حوادث . ومع الزمن ساء جدي . أصيب بالتهاب أعصاب وتشوه عموده الفقري ، حتى شكلت كل حركة عذاباً له ، لكنني لم أسمعه قط يشكو آلامه أو مشاكله ، رغم انه كان ككل تشيلي محترم يشكو من كل ما عدا ذلك . كان يتحمل ألم هيكله البائس بحفنة من الأسبرين وجرعات كبيرة من الماء. علمت فيما بعد أنه لم يكن ماء بريئاً بل جناً يشربه مثل قرصان ، دون أن يؤثر على سلوكه أو صحته .... كان يتكلم بالأمثال ، ويعرف مئات القصص الشعبية ، وينشد عن ظهر قلب قصائد طويلة . منحني هذا الرجل الرهيب موهبة النظام وحب اللغة ، اللذين لولاهما ما كان باستطاعتي أن أكرس نفسي للكتابة . كما علمني تأمل الطبيعة وحب مناظر تشيلي . كان بقول إننا نعيش ، نحن التشيليين ، في أكثر البلدان على وجه الكوكب إبهاراً دون أن نقدره تماماً كما يعيش الرومان بين التماثيل والنوافير دون أن ينتبهوا إليها . لا ندرك الحضور الهاديء للجبال المثلجة ، والبراكين الخامدة والهضاب غير المنتهية التي تضمنا في عناق عظيم ، لا يفاجئنا غضب المحيط الهادي المزبد ، وهو يتكسر على الشواطيء ، ولا سكون الجنوب الطويل وشلالاته الرنانة ؛ لا نبجل كزوار الطبيعة الألفية لغابتنا الأصلية ومناظر الشمال القمرية ، والأنهار الأراوكانية الغزيرة ولا الزرقة الجليدية....."
وأخيراً ؛ ننهي ، هذه الشذرات من كتاب : بلدي المخترع ، بهذه الفقرة : " ....منذ اللحظة التي عبرت فيها جبال الأند ، ذات صباح شتوي ماطر ، بدأت دون وعى عملية اختراع بلد . عدت لأخلق فوق الجبال مرات كثيرة ، ودائماً أتأثر ، لأن ذكرى ذلك الصباح تهاجمني كما كانت حين رأيت مشهد الجبال الشامخ . فالعزلة المطلقة لتلك القمم البيضاء ، لتلك الهوات السحيقة ، لتلك السماء العميقة الزرقة ، ترمز إلى وداعي لتشيلي . لم أتصور قط أنني سأغيب كل هذا الزمن . وككل التشيليين – باستثناء العسكر – كنت مقتنعة بأن الجنود سرعان ما سيعودون على ثكناتهم ، نظراً لتراثنا ، وبأن الانتخابات ستجرى ، وستكون لنا ، كما كانت دائماً ، حكومة ديمقراطية. ومع ذلك لا بد أنني حدست شيئاً انتهى إلى الأبد ، وأن حياتي راحت تغير مسارها بعنف . سيطر علىّ الحنين منذ تلك الليلة الأولى ، ولم يفلتني لسنوات طويلة إلى أن سقطت الديكتاتورية وعدت لأطأ أرض بلدي . خلال ذلك بقيت أعيش ناظرة إلى الجنوب ، متعلقة بالأخبار ، منظرة لحظة العودة بينما أختار ذكرياتي ، أغير بعض الأحداث ، أبالغ أو أتجاهل العودة بينما أختار ذكرياتي ، أغير بعض الأحداث ، أبالغ أو أتجاهل أخرى ، أشذب عواطفي ؛ وهكذا رحت أشيد شيئاً فشيئاً هذا البلد المخترع ، الذي زرعته فيه جذوري ..."
ومنذ أيام ، صدرت الترجمة العربية ؛ لذكرياتها ، الموسومة : " بلدي المخترع ، وبتعبير أدق : سيرة " تشيلي " في قلب إيزابيل ألليندي ..
وقبل أن نولج إلى كتابها – الشائق – نشير إلى الترجمة المبدعة لـ رفعت عطفة ، والذي جعلني لا أشعر البتة ؛ أنني أقرأ بلغة وسيطة ؛ اللغة : سلسة ، رقراقة .
" ولدت وسط دخان وموت الحرب الثانية ، وانقضى معظم شبابي بانتظار أن يتطاير الكوكب شظايا حين يضغط أحد ما زر وتنطلق القنابل الذرية . لا أحد كان ينتظر أن يعيش طويلا جداً ، كنا نمضي مستعجلين نجترع كل لحظة قبل أن يفاجئنا الهول ..... ثم إنني ترعرعت في سا نتياغو تشيلي ، حيث تبتر كل نزعة إلى تأمل الذات .....حدثان جديدان أفلتا العنان لهذه الجائحة من الذكريات . الأولى ملاحظة عرضية من حفيدي ألخاندرو الذي باغتني وأنا أتحرى خريطة تجاعيدي أمام المرآة ، وقال لي مشفقاً : [ لا تهتمي ، يا عجوزي ، ستعيشين ثلاث سنوات على الأقل ] . عندئذ قررت أن الساعة حانت كي ألقى نظرة أخرى على حياتي ، وأتحقق كيف أريد أن أمضى هذه السنوات الثلاث ، التي منحت لي بكل سخاء . الحدث الثاني كان سؤالاً من مجهول في ندوة لكٌتاب الرحلات حالفني الحظ بافتتاحها.......ارتفعت يد من بين الجمهور ، وسألني شاب ما الدور الذي يلعبه الحنين في رواياتي. بقيت صامتة لحظة . حنين ... حسب القاموس [هو ألم أن يرى المرء نفسه غائباً عن وطنه ، هو الحزن الذي تثيره سعادة مفقودة ] . قطع السؤال الهواء عني ، لأنني حتى تلك اللحظة لم أنتبه إلى أنني أكتب كتمرين متواصل عن الاشتياق . طوال حياتي كنت غريبة تقريباً وهو الوضع الذي أقبله ، لأنه لا خيار آخر أمامي . وجدت آخر أمامي . وجدت نفسي مرات عديدة مجبرة على المغادرة ، محطمة الأغلال ، مخلفة كل شىء ورائي ، كى أبدأ من جديد في مكان آخر ؛ فلقد جبت متغيرة طرقاً أكثر مما أستطيع تذكره . ومن كثرة ما ودعت جفت جذوري واضطررت أن أستنبت أخرى ، استوطنت الذاكرة لعدم وجود مكان جغرافي تستوطنه . لكن حذار! فالذاكرة متاهة..... الحنين عيبي . الحنين شعور حزين ومتكلف قليلاً مثل الرقة ؛ يكاد يكون من المحال تقريباً التطرق للموضوع دون الوقوع في العاطفية ، لكنني سأحاول ......."
هكذا ؛ تبدأ سرد ذكرياتها ، المنسوجة بصدق إحساساتها ، وتكشف لقاريء عالمها الروائي ما لم يعرفه من خلفية ثقافية وبيئية ؛ كان لها أثر واضح فيما تكتب.. وبطبيعة الحال ، لن نستطيع أن نلخص كتابها ؛ كل ما نستطيع أن نقوم به ؛ هى لمحات من هذا العالم الساحر ؛ أوبمعنى أدق نجتزىء: سطور من هنا وهناك ؛ لعلنى أعطى صورة بانوراميا ؛ لزخم ذكرياتها ؛ حتى تكون دافعًا ؛ للقراءة الجادة..
" ...أنا قديمة قدم البنسلين الصناعى – تبدأ الواحدة بتذكر الأشياء التى محاها نصف قرن. لم أفكر فى طفولتى ، ولا فى مراهقتى خلال عقود – وفى الحقيقة قليلاً ما كانت تهمنى تلك المراحل من الماضى السحيق – وحين كنت أرى ألبومات صور أمى لم أكن أعرف أحداً فيها باستثناء كلبة البولدوغ ، باسمها غير المحتمل : بلبينا لوبث – بون ، والسبب الوحيد الذى بقيت لأجله محفورة فى ذاكرتى هو أننا كنا نشبه بعضنا بطريقة ملحوظة . توجد صورة لنا وهى ، حين كان عمرى أشهراً قليلة ؛ اضطرت أمى فيها أن تشير بسهم إلى من يكون كل منا . لا شك أن ذاكرتى السيئة تعود إلى أن تلك الأيام لم تكن سعيدة على وجه الخصوص ، لكننى أعتقد أن هذا ما يحدث لكل البشر الفانين .الطفولة السعيدة أسطورة .....كان شقاء طفولتى الطبيعى يتفاقم نتيجة كومة من العقد المتشابكة ، التى ما عاد باستطاعتى حتى أن أعددها . لكن من حسن حظى أنها لم تخلف جراحاً لم يشفها الزمن .... لم أنسجم مع أى مكان . لا مع الأسرة ، ولا مع الطبقة الاجتماعية...."
" ... تشيلى ، هذا البلد القصى الذى يندر من يستطيع أن يحدده على الخريطة ، لأنه أبعد بلد يمكن أن يذهب إليه المرء دون أن يسقط من الكوكب ... ما من أحد يمر هناك مصادفة ، مهما كان تائهاً ، وإن قرر كثير من الزوار البقاء فيه للأبد عاشقين للناس والأرض . إنه نهاية كل الطرق ، رمح فى جنوب جنوب أمريكا ، أربعة آلاف وثلاثمائه كيلو متر من الهضاب والوديان والبحيرات والبحر . هكذا يصفه نيرودا فى شعره الملتهب :
ليل وثلج ورمل تعطى
وطنى النحيل شكله ،
كل الصمت فى خطه الطويل ،
كل الزبد يخرج من لحيته البحرية ،
كل الفحم يملؤه بالقبل الغامضة .
هذا البلد الرشيق كجزيرة ، مفصول عن بقية القارة من الشمال بصحراء أتلكاما ، أكثر صحارى العالم جفافاً حسب ما يحب أن يقول سكانها ، وإن كان هذا ليس صحيحاً ، لأن قسماً من هذا الحطام القمرى يرتدى عادة دثاراً من الزهر ، مثل لوحة عجيبة ( لمونية ) ، فمن الشرق سلسلة جبال الأند ، الخليط الرهيب من الصخور والثلوج الأبدية ؛ ومن الغرب شواطىء المحيط الهادى الوعرة ؛ ومن الأسفل أنتارتيدا الموحشة . بلد الطبوغرافية المأساوية والطقس المتنوع ، المرقش بعوائق نزوية والمهزوز بزفرات مئات البراكين ، الموجود كمعجزة جيولوجية بين مرتفعات الجبال وأعماق البحار ، والمتحد من رأسه إلى ذيله بمشاعر سكانه الوطنية القوية ."
" ... ذهبت فى طفولتى إلى الشمال ولم أنسه ، رغم أنه مر خمسون عاماً على ذلك . بعدها كان من نصيبى أن أجتاز صحراء أتاكاما مرتين ، ومع أن التجربة دائماً رائعة إلا أن ذكريات تلك المرة الأولى أكثر حضوراً . أنتوفاغاستا ، التى تعنى باللغة الكتشوية ( بلد السبخة الكبرى ) ، ليس فى ذاكرتى مدينة اليوم الحديثة ، بل ميناء مهجوراً ومدقع الفقر ، تفوح من لرائحة اليود ، مرقش بزوارق الصيد والنوارس والبجع ....أتذكر أننا صعدنا أنا وأسرتى محملين بالأحمال إلى قطار كان يسير بخطو سلحفاة فى صحراء أتاكاما القاسية باتجاه وليفيا . شمس وحجارة متكلسة ، كيلو مترات وكيلو مترات من الوحشة الشبحية ، ومن حين لآخر تظهر مقبرة مهجورة ، أبنية خربة من طوب أوخشب . كانت الحرارة جافة ، حتى الذباب لا يستطيع أن يعيش فيها ؛ العطش لا ينتهى ، ونشرب غالونات من الماء ، نمتص برتقالاً ونحمى بشق النفس أنفسنا من الغبار الذى كان ينفذ من كل شق ؛ فشفاهنا تتشقق حتى تدمى ، وتؤلمنا آذاننا ، لقد أصبنا بالتجفاف . فى الليل كان يحل برد قاس كالزجاج ، والقمر يضىء المشهد بسطوع أزرق . زرت بعد سنوات طويلة تشوكيكاماتا ، أكبر منجم نحاس فتح فى العالم قطعاً ، وهو مسرح رومانى شاسع حيث ينتزع آلاف الرجال المغبرين كالنمل ، المعدن من الحجارة . صعد القطار أكثر من أربعة آلاف متر وهبطت الحرارة إلى درجة أن الماء كان يتجمد فى الكأس . مررنا بمملحة أويونى ، وهى بحر أبيض يسوده صمت خالص ولا تطير فوقه الطيور ، وممالح أخرى رأينا فيها طيور النحام . كانت تبدو مثل ضربات ريشة رسام بين الكريستال المتشكل فى الملح ، كأنه حجارة كريمة .... تملك تشيلى قطعة من قارة أنتارتيكا المجهولة ، عالم الجليد والوحشة ، والبياض المطلق ، حيث تولد الخرافات ويموت الرجال ؛ على القطب الجنوبى نصبنا رايتنا . زمن طويل مر لم يول فيه أحد قيمة لأنتارتيدا ، لكننا نعلم اليوم كم من الثروات المعدنية تختبىء إضافة إلى أنها جنة الحيوانات البحرية ، وهكذا لم يبق بلد إلا ووضع عينه عليها . تسمح عابرة قارات بزيارتها صيفاً براحة نسبية ، لكنها تكلف غالياً ، واليوم لا يقوم بالسفر إليها إلا السياح الأثرياء وعلماء بيئة فقراء ، لكنهم أصحاب عزيمة ....هناك تماثيل هائلة لا تحصى من الحجارة البركانية مبعثرة فى الجزيرة ، بعضها يزن أكثر من عشرين طناً . وقد حيرت هذه ( الموايات ) الخبراء قروناً عديدة ؛ فنحتها على سفوح البراكين ثم جرها عبر أرض غير مستوية ، ونصبها فوق منصات هى فى الغالب عصية المنال ، ووضع قبعة من الحجر الأحمر عليها ، كانت مهمة عمالقة . كيف فعلوا ذلك ؟ لا توجد أثار لحضارة متطورة تفسر مثل هذه المأثرة... كى يرى المرء بلدى بقلبه عليه أن يقرأ بابلو نيرودا ، الشاعر القومى الذى خلد بأشعاره المناظر الشامخة والنكهات والأسحار ، والمطر العنيد والفقر الكريم ، والرواقية وحسن الضيافة ......"
" أسرتى من سانتياغو....وهى تضمّ اليوم خمسة ملايين نسمة ونصف ، يعيشون بأفضل ما يستطيعون . لا بدّ أنها مدينة جميلة ، لأنها نظيفة ولا تنقصها الحدائق ، لولا أنه تعلوها قبعة شهباء من التلوث ، تقتل فى الشتاء أطفالاً فى مهورهم ، وشيوخاً فى مآويهم وعصافير فى الجو . اعتاد السانتياغيون أن يتابعوا مؤشر ( الضبخن)- مزيج من ضباب ودخان – اليومى ، تماماً كما يتابعون حساب بورصة السندات ونتائج كرة القدم . فى الأيام التى يرتفع فيها المؤشر أكثر من اللازم تحدد حركة السيارات حسب رقم الإجازة ، والأطفال لا يمارسون الرياضة فى المدرسة ، ويحاول بقية السكان أن ينفسوا أقل ما يستيطعون . تغسل المطرة السنوية الأولى وسخ الجو الذى يسقط مثل الحامض فوق المدينة ؛ وإذا ما كنت تسير دون مظلة ستشعر كما لو أنهم صبوا عصير ليمون على عينيك ؛ لكن لا تهتم ، فحتى الآن لم يعم أحد لهذا السبب بعد. ليست كل الأيام كذلك ، فأحياناً تشرق منقشعة ويمكن تأمل المشهد الرائع للجبال المغطاة بالثلج... فى طفولتى كانت أسرتى تخرج إلى الشاطىء مدة سهرين ، رحلة سفارى حقيقة فى سيارة جدى ، المحملة بطن من الأمتعة فوق السبك وثلاثة صبية دائخين تماماً فى داخلها . كانت الطرق فى تلك الأيام فى غاية السوء وعلينا أن نمضى مثل أفعى صاعدين هضاباً وهابطين أخرى بجهد جبار بالنسبة للسيارة . كنا نضطر دائماً لتبديل إطار أو إطارين ، وهو عمل كان يتطلب تنزيل كل الأحمال . كان جدى يحمل فى حضنه مسدساً ضخماً ، من تلك التى كانت تستخدم فى المبارزة ، لأن كان يظن أن بعض قطاع الطرق اعتاد أن يكمن فى نزلة كوراكابى....ما إن يخرج المرء من سانتياغو ، حتى يصبح المنظر ريفياً: مراتع خيل محاطة بالحور ، روابى وكروم عنب . أنصح الزائر بالتوقف لشراء الفواكه والخضروات من المحلات المنتشرة على امتداد الطريق ، أو أن ينعطف قليلاً ويدخل فى القرى الفقيرة بحثاً عن بيت ترفرف فوقه خرقة بيضاء ، هناك يقدمون خبزاً معجوناً يدوياً وعسلاً وبيضاً ذهبى اللون ....على طريق الساحل توجد شواطىء للسباحة وقرى ساحرة وخلجان مليئة بالشباك والزوارق ، حيث توجد كنوز مطبخنا الخرافية : أولها ثعبان الماء ، ملك البحر ، بصدرته ذات الحراشف المزخرفة ، يليه الكوربين ، ذو الحم الأبيض اللذيذ ، يرافقه مئة نوع آخر من أسماك أكثر تواضعاً ، لكنها لذيذة مثله ، تليها على الفور بحرياتنا : السرطان العنكبوتى ، المحار والبلح البحرى والأستريدية ،والأبالونات والقريدس الكبير وقنفذ البحر وغيرها كثير... وأسماكنا من الجودة بحيث أن تحضيرها لا يتطلب معرفة مطبخية . افرش طبقة من البصل المفروم فى قصعة فخارية أو من الزجاج الحرارى ، ضع فوقها السمك البراق مغطساً بالليمون مع عدة ملاعق زبدة ، ورشة ملح وفلفل أسود . ضعها فى الفرن الساخن حتى ينضج اللحم ، لكن من دون إفراط ، كيلا يجف ، ثم قدمه ..... وكان فى بيتنا ، كما فى كل بيت تشيلى ، حيوانات ؛ والكلاب يتم الحصول عليها بطرق مختلفة : تورث ، تهدى ، وموجودة هناك مظلومة ، لكنها حية أو تتبع الطفل عند خروجه من المدرسة فلا تعود توجد إمكانية لإخراجها... لاأعرف تشيلياً واحداً اشترى كلباً ؛ الوحيدون الذين كانوا يفعلون ذلك هم المتعصبون لـ ( كنل كلوب ) ، لكن ما من أحد يأخذها مأخذ الجد ؛ فغالبية كلابنا الوطنية كانت تسمى أسود حتى ولو كان لونها آخر ، والقطط تدعى باسم النوع ميثيفو أو كوتشو ....نذهب مرتين إلى فرن الزاوية بحثاً عن الخبز ، ونحضره إلى البيت ملفوفاً فى قطعة قماش أبيض . رائحة ذلك الخبز الخارج من الفرن للتو ، وهو ما يزال دافئاً ، واحدة من أكثر ذكريات طفولتى حضوراً . كان الحليب كريماً مزبداً يباع من دون تعليب . كان الجرس المعلق إلى عنق الجواد ورائحة الإسطبل التى تغزو الشارع تعلن عن وصول عربة الحليب ؛ والمستخدمات يقفن فى الصف بأوعيتهن ويشترينه بالطاسة ، وكان بائع الحليب يقيسه بإدخال ذراعه المشعرة حتى إبطه فى الأوعية الكبيرة ، المغطاة دائماً بالذباب . أحياناً كانوا يشترون عدة لترات أكثر ، لصنع المنخار الأبيض – أوحلوى الحليب – التى تدوم عدة أشهر بتخزينها فى عتمة القبو البارد ، حيث يخزن النبيذ ، المعبأ فى البيت أيضاً..."
" أول ذكرى لى عن تشيلى هى بيت لم أعرفه . كان بطل روايتى الأولى ، بيت الأرواح ، حيث يظهر كبيت يؤوى ذرية آل تروبا . هذه الأسرة الوهمية تشبه إلى حد مقلق أسرة أمى ، فلا يمكن أن أكون قد استطعت أن أخترع شخصيات مثل تلك . مع أنه لم يكن ضرورياً فى عائلة مثل عائلتى . إن فكرة ( بيت الزاوية الكبير) ، الذى يظهر فى الكتاب انبثقت من منزل شارع كوتو القديم ، الذى ولدت فيه أمى، واستذكره جدى كثيراً ،حتى ليبدوا لى أننى عشت فبه . لم تعد هناك بيوت من هذا النوع فى سانتياغو ، فقد التهما التقدم والنمو السكانى ، لكنها مازالت موجودة فى المقاطعات . أستطيع أن أراه : فسيحاً ، فاتراً ، متداعياً من الاستخدام والتمادى ، عالى السقوف ، ضيق النوافذ وله ثلاثة فناءات ، الأول فناء البرتقال والياسمين ،حيث كانت تصدح نافورة ، والثانى فيه بستان تغطية الأعشاب الضارة ، والثالث فوضى من أحواض غسيل وبيوت كلاب وأخمام دجاج ، وغرف مستخدمات غير صحية ، مثل زنزانات فى سجن تحت الأرض . وللذهاب إلى الحمام ليلاً كان على المرء أن يمضى فى نزهة مصطحباً قنديلاً ، ومتحدياً تيارات الهواء والعناكب ، ويصم أذنيه عن صرير الخشب وجرى الجرذان . كان البيت الذى يدخل إليه من شارعين ، مكوناً من طابق واحد وعليه ، ويضم قبيلة من آباء الأجداد والعمات العوانس ، وأبناء الأعمام والخدم والأقوياء الفقراء والضيوف ، الذين يقيمون للأبد دون أن يجرؤ أحد على طردهم لأن ( الغرباء ) محميون بعرف الضيافة المقدس ، إضافة إلى هذا الشبح وذاك المشكوك بحقيقته ، ممن لم تكن تخلو منهم أسرتى . هناك من أكد لى أن الأرواح كانت تتعذب بين تلك الجدران ، لكن أحد أقربائى الشيوخ اعترف لى بأنه كان فى طفولته يتقنع بلباس عسكرى قديم ليخيف الخالة كوبرتينا ..... لم يمض زمن طويل على ذهاب صحافى يابانى إلى سانتياغو بهدف تصوير ( بيت الزاوية الكبير ) المفترض ، الذى يظهر فى روايتى الأولى حيث كان من العبث أن أوضح له أنه وهم . خرج الرجل المسكين ، بعد تلك الرحلة الطويلة ، بخيبة أمل رهيبة ، لأن سانتياغو كانت قد هدمت وأعيد بناؤها مرات عديدة . لا شىء يدوم فى هذه المدينة . فالبيت الذى بناه جدى صار الآن ديسكوتيك من النوع البائس ؛ مسخاً محزناً من البلاستيك الأسود والأنوار المفرحة . ومنزل شارع كوتو ، الذى كان لأب جدى قد اختفى منذ سنوات طويلة ويقوم مكانه الآن برجان حديثان لمستأجرين من ذوى الدخل المنخفض ، لا يمكن تمييزها بين قرابة اثنى عشر بناء متشابهين . اسمح لى بأن أقدم تعليقاً مثل نزوة عاطفية عن ذلك الهدم . وصلت ذات يوم آلات التقدم بمهمة نسف بيت أسلافى ؛ وسوت الديناصورات المعدنية التى لا ترحم ، خلال أسابيع ، الأرض بقوائمها المسننة . أخيراً حين استقر غبار البدو استطاع المارة أن يتأكدوا من أنه ما زالت تنتصب فى ذلك القفر بعض النخلات سليمة . انتظرت موحشة وعارية بشعرها الذابل ومظهرها الرمادى المتواضع نهايتها ، لكن ظهر بدل الجلاد المرعب عدة عمال يتصببون عرقاً ، وحفروا مثل نمل نشيط خنادق حول كل شجرة منها حتى فصلوها عن الأرض . تشبثت الشجرات الرشيقة بجذورها الدقيقة بحفنات من التراب الجاف ، وحملت الرافعات النخلات الجريحة إلى بعض الحفر التى أعدها عمال الحدائق لها فى مكان آخر ، وزرعوها هناك . أنّت الجذوع بصمت وسقطت السعف على شكل نسالة صفراء ، وبقيت فترة بدا أنه لا شىء يستطيع إنقاذها من كل ذلك الاحتضار ، لكنها مخلوقات عنيدة ، فقد راح تمرد سفلى بطىء يدب الحياة فيها ، وشقت المجسات النباتية طريقها خالطة بقايا تربة شارع كوتو بالتربة الجديدة .وذات ربيع حتمي جاء الصباح على النخلات وقد هزت شعرها الحي والمتجدد الذي حف بخصرها رغم كل شىء . كثيراً ما تراوده صورة نخلات أسلافي هذه فكرى حين أفكر بمصيري كمنفية . قدري أن أمضى من مكان إلى آخر ، يو م أتكيف مع أراض جديدة . أظن أنني أتمكن من ذلك لأنني دائماً أحمل معي حفنة من تراب بلدي . في جميع الأحوال عاد الصحافي الياباني ، الذي ذهب إلى نهاية العالم ليصور داراً مذكورة في رواية إلى وطنه خالي الوفاض ...."
"... كان جدي اغوستين رجلاً صلباً وقوياً كمحارب ، رغم أنه ولد بساق أقصر من أخرى . لم يخطذر بباله قط أن يستشير طبيباً لهذه المسألة وفضل عليه " مجبراً " ، كان أعمى يجبر أرجل الخيول المصابة في نادي الخيول ومعرفته بالعظام أكبر من معرفة أي طبيب حوادث . ومع الزمن ساء جدي . أصيب بالتهاب أعصاب وتشوه عموده الفقري ، حتى شكلت كل حركة عذاباً له ، لكنني لم أسمعه قط يشكو آلامه أو مشاكله ، رغم انه كان ككل تشيلي محترم يشكو من كل ما عدا ذلك . كان يتحمل ألم هيكله البائس بحفنة من الأسبرين وجرعات كبيرة من الماء. علمت فيما بعد أنه لم يكن ماء بريئاً بل جناً يشربه مثل قرصان ، دون أن يؤثر على سلوكه أو صحته .... كان يتكلم بالأمثال ، ويعرف مئات القصص الشعبية ، وينشد عن ظهر قلب قصائد طويلة . منحني هذا الرجل الرهيب موهبة النظام وحب اللغة ، اللذين لولاهما ما كان باستطاعتي أن أكرس نفسي للكتابة . كما علمني تأمل الطبيعة وحب مناظر تشيلي . كان بقول إننا نعيش ، نحن التشيليين ، في أكثر البلدان على وجه الكوكب إبهاراً دون أن نقدره تماماً كما يعيش الرومان بين التماثيل والنوافير دون أن ينتبهوا إليها . لا ندرك الحضور الهاديء للجبال المثلجة ، والبراكين الخامدة والهضاب غير المنتهية التي تضمنا في عناق عظيم ، لا يفاجئنا غضب المحيط الهادي المزبد ، وهو يتكسر على الشواطيء ، ولا سكون الجنوب الطويل وشلالاته الرنانة ؛ لا نبجل كزوار الطبيعة الألفية لغابتنا الأصلية ومناظر الشمال القمرية ، والأنهار الأراوكانية الغزيرة ولا الزرقة الجليدية....."
وأخيراً ؛ ننهي ، هذه الشذرات من كتاب : بلدي المخترع ، بهذه الفقرة : " ....منذ اللحظة التي عبرت فيها جبال الأند ، ذات صباح شتوي ماطر ، بدأت دون وعى عملية اختراع بلد . عدت لأخلق فوق الجبال مرات كثيرة ، ودائماً أتأثر ، لأن ذكرى ذلك الصباح تهاجمني كما كانت حين رأيت مشهد الجبال الشامخ . فالعزلة المطلقة لتلك القمم البيضاء ، لتلك الهوات السحيقة ، لتلك السماء العميقة الزرقة ، ترمز إلى وداعي لتشيلي . لم أتصور قط أنني سأغيب كل هذا الزمن . وككل التشيليين – باستثناء العسكر – كنت مقتنعة بأن الجنود سرعان ما سيعودون على ثكناتهم ، نظراً لتراثنا ، وبأن الانتخابات ستجرى ، وستكون لنا ، كما كانت دائماً ، حكومة ديمقراطية. ومع ذلك لا بد أنني حدست شيئاً انتهى إلى الأبد ، وأن حياتي راحت تغير مسارها بعنف . سيطر علىّ الحنين منذ تلك الليلة الأولى ، ولم يفلتني لسنوات طويلة إلى أن سقطت الديكتاتورية وعدت لأطأ أرض بلدي . خلال ذلك بقيت أعيش ناظرة إلى الجنوب ، متعلقة بالأخبار ، منظرة لحظة العودة بينما أختار ذكرياتي ، أغير بعض الأحداث ، أبالغ أو أتجاهل العودة بينما أختار ذكرياتي ، أغير بعض الأحداث ، أبالغ أو أتجاهل أخرى ، أشذب عواطفي ؛ وهكذا رحت أشيد شيئاً فشيئاً هذا البلد المخترع ، الذي زرعته فيه جذوري ..."